الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان آداب المحتسب

ومن الآداب تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه وقطع الطمع عن الخلائق حتى تزول عنه المداهنة فقد روي عن بعض المشايخ أنه كان له سنور وكان يأخذ من قصاب في جواره كل يوم شيئا من الغدد لسنوره فرأى على القصاب منكرا ، فدخل الدار أولا وأخرج السنور ثم جاء واحتسب على القصاب فقال له القصاب : لا أعطينك بعد هذا شيئا لسنورك ، فقال : ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور ، وقطع الطمع منك ، وهو كما قال: فمن لم يقطع الطمع من الخلق لم يقدر على الحسبة ومن طمع في أن تكون قلوب الناس عليه طيبة وألسنتهم بالثناء عليه مطلقة لم تتيسر له الحسبة .

قال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني كيف منزلتك بين قومك ؟ قال : حسنة ، قال : إن التوراة تقول : إن الرجل إذا أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه ، فقال أبو مسلم : صدقت التوراة وكذب أبو مسلم .

ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون إذا وعظه واعظ وعنف له في القول فقال: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق ، فقال تعالى : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى .

.

فليكن اقتداء المحتسب في الرفق بالأنبياء صلوات الله عليهم فقد روى أبو أمامة أن غلاما شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي الله تأذن لي في الزنا ، فصاح الناس به فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه، ادن : فدنا حتى جلس بين يديه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتحبه لأمك ؟ فقال : لا ، جعلني الله فداك ، قال : كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم ، أتحبه لابنتك ؟ قال : لا ، جعلني الله فداك ، قال : كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم ، أتحبه لأختك ؟ وزاد ابن عوف حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحد : لا ، جعلني الله فداك ، وهو صلى الله عليه وسلم يقول : كذلك الناس لا يحبونه ، وقالا جميعا في حديثهما أعني ابن عوف والراوي الآخر فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره ، وقال : اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه ، فلم يكن شيء أبغض إليه منه يعني من الزنا .

وقيل للفضيل بن عياض رحمه الله : إن سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان فقال الفضيل ما أخذ منهم إلا دون حقه ثم خلا به وعذله ووبخه فقال سفيان : يا أبا علي إن لم نكن من الصالحين فإنا لنحب الصالحين .

التالي السابق


(ومن الآداب تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه) والعلائق هي الزوائد التي تتعلق إليها النفوس وتألفها وتنفرد بها فيكثر خوفه على انقطاعها عنه، (وقطع الطمع عن الخلائق) مما في أيديهم أو يكتسب بواسطة جاههم (حتى تزول عنه المداهنة) معهم (فقد روي عن بعض المشايخ أنه كان له سنور) من أسماء الهر، (وكان يأخذ من قصاب) أي جزار (كل يوم شيئا من الغدد) جمع غدة بالضم (لسنوره فرأى على القصاب منكرا، فدخل الدار أولا وأخرج السنور ثم جاء واحتسب على القصاب) ، وأنكر عليه ذلك المنكر، (فقال له القصاب: لا أعطيك بعد هذا شيئا لسنورك، فقال: ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور، وقطع الطمع عنك، وهو كما قال: فمن لم يقطع الطمع من الخلق لا يقدر على الحسبة) لخوف المداهنة، (ومن طمع أن تكون قلوب الناس عليه طيبة وألسنتهم بالثناء عليه مطلقة لم يتيسر له الحسبة) ، فإنه يستحي أن يقابلهم بما يكرهون فتمقته قلوبهم .

(قال كعب) الأحبار (لأبي مسلم الخولاني) رحمهما الله تعالى: (كيف منزلتك بين قومك؟ قال: حسنة، قال: إن التوراة تقول: إن الرجل إذا أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه، فقال أبو مسلم: صدقت التوراة وكذب أبو مسلم) . وهذا القول قد تقدم للمصنف قريبا .

(ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون) عبد الله بن هارون العباسي (إذ وعظه واعظ) حين دخل عليه، وعنف (له في القول) أي أغلظ، (فقال: يا رجل ارفق) في وعظك، (فقد بعث الله من هو خير منك) يعني موسى عليه السلام مع أخيه هارون عليه السلام (إلى من هو شر مني) يعني فرعون مصر، (وأمره بالرفق، فقال: فقولا) الخطاب له ولأخيه (له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) ، وقد روي عن ابن عباس في تفسير قوله: فقولا له قولا لينا أي كنياه أي لا تنطقوا باسمه .

أخرجه عبد بن حميد [ ص: 51 ] وابن المنذر، وعن علي مثل ذلك أخرجه ابن أبي حاتم.

وروي عن الحسن أنه قال: أي أعوزا إليه قولا له إن لك ربا، ولك معادا، وإن بين يدك جنة ونارا .

(فليكن اقتداء المحتسب في الرفق بالأنبياء صلوات الله عليهم) وسلامه، (وقد روى أبو أمامة) عدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه (أن غلاما شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله أتأذن لي) ، وفي نسخة ائذن لي (في الزنا، فصاح الناس به) إذ رأوا ما يخالف الأدب، (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قربوا) أي اتركوه (ادن) مني يا غلام، (فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟ فقال: لا، جعلني الله فداءك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداءك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ وزاد ابن عوف) أي عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة رضي الله عنهم (أنه ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحد: لا، جعلني الله فداءك، وهو صلى الله عليه وسلم يقول: كذلك الناس لا يحبونه، وقالا جميعا في حديثهما أعني ابن عوف والراوي الآخر) وهو أبو أمامة (فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره، وقال: اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض إليه منه يعني من الزنا) .

قال العراقي: رواه أحمد بإسناد جيد رجاله رجال الصحيح (وقيل للفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إن سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان) أي عطاياه، (فقال الفضيل) : إن له حقا في بيت مال المسلمين (ما أخذ منهم إلا دون حقه ثم خلا به) الفضيل (وعذله) أي لامه (ووبخه) أي قال له: مثلك من يأخذ من جوائزهم، (فقال سفيان: يا أبا علي إن لم نكن من الصالحين فإنا لنحب الصالحين) ففيه دليل على أنه ينبغي أن يكون النصح بلين وفي خلوة عن الناس.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث