الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الخشوع

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " ويقضي المرتد كل ما ترك في الردة " .

قال الماوردي : وهذا كما قال إذا ارتد المسلم عن الإسلام زمانا ثم عاد إلى إسلامه لزمه قضاء ما تركه من الصلاة والصيام ، وما فعله قبل الردة من الصلاة ، والصيام ، والحج مجزئ عنه لا تلزمه إعادته .

وقال أبو حنيفة : قد أحبطت الردة جميع عمله ، فإن عاد إلى الإسلام استأنف الصلاة ، والصيام ، والحج ، ولم يقض ما تركه في زمان ردته كالكافر الأصلي ، فإن كان قد حج قبل ردته أعاد ذلك بعد إسلامه ، لأن الردة قد أحبطت جميع ما عمله .

واستدل بقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [ الزمر : 65 ] . فدل على أن الردة قد أحبطت عمله ، وقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف واقتضى الظاهر غفران عمله بالانتهاء عن الكفر ، وترك مؤاخذته بإثم ، أو قضاء .

وبقوله صلى الله عليه وسلم : الإسلام يجب ما قبله .

قال : ولأنه أسلم بعد كفر فوجب أن لا يلزمه قضاء ذلك كالحربي ، والذمي .

ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : من نام عن صلاة ، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها .

وفيه دليلان :

[ ص: 210 ] أحدهما : أنه الناسي وهو التارك كما قال سبحانه : نسوا الله فنسيهم [ التوبة : 67 ] أي : تركهم ، والمرتد تارك ، فوجب أن يلزمه القضاء بحق هذا الظاهر .

والدلالة الثانية : أنه أوجب القضاء على الناسي ونبه بإيجابه على العامد ، لأنه أغلظ حالا من الناسي ، ولأنه تارك صلاة بمعصية بعد الإسلام فوجب أن يلزمه قضاؤها كالمسلم ، ولأن ما التزمه بإسلامه لا يقدر على إسقاطه بردته ، كغرامة الأموال ، وحقوق الآدميين ، ولأن كل من لم يكن بينه وبين الصلاة إلا شرط هو مطالب بالإتيان به ، فإنه مطالب بالصلاة كالمحدث ، ويخالف الكافر الأصلي ، لأنه وإن كان مكلفا فهو غير مطالب به ، والمرتد مخالف للإسلام ومطالب به ، ولأن للكفر الأصلي حكمين :

أحدهما : يفارق بهما الإسلام ، وهما مفارقة الإيمان وترك الشرعيات ، وللإسلام حكمين يفارق بهما الكفر وهما مفارقة الكفر وفعل الشرعيات ، ثم كانت الردة تقتضي التزام أحدهما وهو مفارقة الكفر وفعل الشرعيات فوجب أن تقتضي الالتزام الآخر وهو فعل الشرعيات .

وتحريره قياسا : أنه أحد حكمي الإسلام المختص به ، فوجب أن يلزم المرتد كالإيمان ، ولأن من كلف تصديق الغير ، ولم يقدر على تكذيبه ، كلف المصير إلى مقتضى تصديقه .

أصله المدعى عليه إذا شهد عليه شاهدان بالحق لما كلف تصديق الشهود كلف المصير إلى مقتضى تصديقهما ، وهو الغرم لما شهدا به ، ولما ثبت أن المرتد مكلف لتصديق النبي صلى الله عليه وسلم وجب أن يكلف مقتضى تصديقه ومقتضاه قضاء ما ترك من صلاته ، ولأنه مسلم أحدث ما استبيح به دمه ، فوجب أن لا تسقط عنه الصلاة كالقاتل ، والزاني ، والمحارب ، ولأن أحكام الإسلام جارية عليه في حال ردته في المنع من استرقاقه ، وقبول جزيته ، وهدنته ، ومؤاخذته بجناياته ، فوجب أن يجرى عليه حكم الإسلام في قضاء صلواته ، ولأنه قد اعترف بشرائع الإسلام ، والتزم القيام بها فلم يجز أن يكون عصيانه بالردة عذرا له في إسقاط ما لزمه ، وقضاء ما تركه كالعاصي بشرب الخمر ، أو فعل الزنا فأما قوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك فالمراد به من مات على ردته ، لأنه عقبها بقوله تعالى : ولتكونن من الخاسرين [ الزمر : 65 ] ، وذلك مع أحكام الآخرة : سيما وقد فسره بقوله عز وجل : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم [ البقرة : 217 ] .

وأما قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [ الأنفال : 38 ] ، فالمراد به غفران المآثم دون القضاء ، لأن القضاء فرض مستأنف على أن المرتد مخصوص من هذا العموم بدليل ما ذكرناه ؟ وكذا الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : الإسلام يجب ما قبله .

[ ص: 211 ] وأما قياسهم على الحربي فالمعنى فيه : أنه لم يعترف بوجوب الصلوات فلأجل ذلك سقط عنه القضاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث