الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ذكر تراكب التنوين وتتابعه وكيفية نقط ما يلقى من الحروف

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 68 ] باب

ذكر تراكب التنوين ، وتتابعه ، وكيفية نقط ما يلقى من الحروف

واعلم أن الاسم إذا لحقه التنوين في حال نصبه أو خفضه أو رفعه ، وأتى بعده حرف من حروف الحلق ، وهي ستة : الهمزة ، والهاء ، والحاء ، والعين ، والخاء ، والغين ؛ فإن النقطتين من الحركة والتنوين تجعلان مع ذلك متراكبتين واحدة فوق أخرى ، على ما تقدم من جعل المنصوب والمخفوض والمرفوع ، فالسفلى منهما الحركة ؛ لأنها تلي صورة الحرف . والعليا التنوين ؛ لأنه آت بعد الحركة . هذا في حال النصب والرفع . وفي حال الخفض : العليا الحركة ؛ لأنها هي التي تلي الحرف فيه ، والسفلى التنوين ، وتجعل على حرف الحلق نقطة لا غير ؛ ليدل بذلك على أن التنوين مظهر عنده . وذلك نحو قوله : عذاب أليم ، و جرف هار ، و لعلي حكيم ، و سميع عليم ، و عليم خبير ، و عفوا غفورا ، وشبهه .

وهذا مع الهاء والحاء والعين ، من حيث انعقد الإجماع على بيان التنوين [ ص: 69 ] عندهن . وكذلك الهمزة أظهرت محققة أو ألقي حركتها على ساكن قبلها ؛ لأنها مع ذلك في النية والتقدير . وأما الخاء والغين فمن بين التنوين عندهما جعل النقطتين قبلهما متراكبتين ، على ما تقدم . ومن أخفاه عندهما جعل النقطتين متتابعتين .

والعلة في تراكب التنوين عند حروف الحلق خاصة أنه لما كان حكمه أن يبين عندهن ، لبعد المسافة التي بينه وبينهن في المخرج ؛ أبعدت النقطة التي هي علامته عن حرف الحلق بأن جعلت فوق الحركة ؛ ليؤذن بذلك بانقطاعه وانفصاله عنه ، ويدل به على تخليصه وبيانه .

* * *

وإن أتى بعد الاسم المنون في الأحوال الثلاث من النصب والجر والرفع باقي حروف المعجم ، سوى حروف الحلق ، من حروف اللسان والشفتين جعلت النقطتان من الحركة والتنوين متتابعتين واحدة أمام أخرى ، فالمتقدمة منهما التي تلي الحرف هي الحركة ، والمتأخرة هي التنوين لما ذكرناه .

فإن كان الحرف الآتي بعده أحد أربعة أحرف : راء ، أو لام ، أو نون ، أو ميم ؛ جعل على كل واحد منها علامة التشديد ؛ ليدل بذلك على أن التنوين مدغم فيه ، قد صار معه ، من أجل الإدغام ، بمنزلة حرف واحد مشدد . وذلك نحو قوله : غفور رحيم ، و هدى للمتقين ، و على هدى من ربهم ، و عاملة ناصبة ، وشبهه .

[ ص: 70 ] وإن كان الحرف ياء أو واوا ؛ ففيه وجهان :

إن نقط ذلك على قراءة من أذهب غنة النون والتنوين ، مع الإدغام الصحيح الذي لا يبقى للحرف الأول فيه أثر ؛ جعل على الياء والواو علامة التشديد ، كما فعل ذلك مع الأربعة الأحرف المتقدمة ، من حيث كان إدغام التنوين فيها إدغاما صحيحا . وإن نقط ذلك على قراءة من بين الغنة ولم يذهبها رأسا ؛ جعل على الياء والواو نقطة لا غير ؛ ليفرق بذلك بين المذهبين ، ويدل به على القراءتين . وذلك في نحو قوله : يومئذ يصدعون ، و يومئذ واهية ، وشبهه . كذا نقطه على الوجه الأول . وعلى الثاني : يومئذ يصدعون ، و يومئذ واهية .

وإن كان الحرف قافا أو كافا أو جيما أو شينا أو غيرها من باقي الحروف التي يخفى التنوين عندها ، أو يقلب ، نحو الباء ، جعل على كل حرف منها نقطة فقط ، وأعري من علامة التشديد ؛ لعدمه فيه رأسا ، بظهور صوت النون والتنوين عنده . فامتنعا بذلك من القلب والإدغام اللذين بهما يتحقق التشديد ويتحصل التثقيل ، وذلك في نحو قوله : من قوم كافرين ، و على كل شيء قدير ، و شيئا جنات عدن ، و غفور شكور ، و يومئذ زرقا ، و " سلاما سلاما ، و رجال صدقوا ، و قوما طاغين ، [ ص: 71 ] و حرث قوم ظلموا ، و قوما ضالين ، و قوما فاسقين ، و جنات تجري ، و شهاب ثاقب ، و ظلمات بعضها ، وما أشبهه ذلك ، حيث وقع . 50 والعلة في تتابع التنوين عند جميع ما تقدم من الحروف أنه لما كان لا يخلو عندها من أحد ثلاثة أوجه : إما أن يدغم ، وإما أن يخفى ، وإما أن يقلب . وهذه الأوجه الثلاثة تجب بالقرب ، أو بمعنى يرجع إليه ، وكان الإدغام بابه أن يدخل الأول من المثلين والمتقاربين في الثاني إدخالا شديدا ، لا فرجة بينهما ولا فصل ، لأجل القلب والتشديد ، وكان الإخفاء قد شارك الإدغام من طريق اشتقاق كلمة ( أدغمت ) ، و ( أخفيت ) من حيث كان معنى ( أدغمت الشيء ) : غيبته ، و ( أخفيته ) : سترته ، فكلا الكلمتين معناهما السترة التي ضد الظهور والبيان . فلما كان التنوين لا يخلو مما ذكرناه ، وكان معنى الإدغام والإخفاء ما بيناه ، قربت النقطة التي هي علامة التنوين من الحروف المتقدمة ، دلالة على اتصاله بها ، ودخوله فيها ، وإعلاما بالتقارب الموجب للإدغام والمحقق للإخفاء . وإن تباينا في اللفظ ، وتفاضلا في الحقيقة فقد اجتمعا في أن عدل بكل واحد منهما عن البيان . والعرب قد تحكم للشيء بحكم الشيء إذا اجتمعا في بعض المعاني . والفرق عند النحويين بينهما في اللفظ أن المدغم مشدد والمخفى مخفف .

* * *

[ ص: 72 ] وهذا الذي ذكرناه من تراكب التنوين عند حروف الحلق ، وتتابعه عند غيرها من سائر حروف المعجم إجماع من السلف الذين ابتدؤوا النقط وابتدعوه ، وعليه جرى استعمال سائر الخلف . قال الخليل - رحمه الله - : كل ما استقبله من حروف الحلق حرف ، وهو منون ، نحو : عفوا غفورا ؛ فالنقط على الطول . وفي نحو : غفور رحيم ، و حبل من مسد ؛ النقط على العرض . يريد بالطول التراكب ، وبالعرض التتابع .

قال أبو عمرو : ولم أر أحدا ممن عني بصناعة النقط في القديم والحديث وجه معنى إجماعهم ، ولا علل حقيقة مذهبهم في تخصيص حروف الحلق بالتراكب ، وما عداها بالتتابع . وقد سألت عن ذلك غير واحد من شيوخهم ، وذاكرت به جماعة من علمائهم ، فكلهم زعم أن ذلك اصطلاح من السلف لزم اتباعهم عليه ، ولا وجه له ، ولا علة فيه . وأنهم لو أجمعوا على تتابعه عند حروف الحلق ، وتراكبه عند ما عداها لكان كإجماعهم الأول المعمول به . وذلك بخلاف ما قالوه ، وعلى غير ما ظنوه ، لما أوضحناه من صحة معنى ما أجمعوا عليه . وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث