الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
[ ص: 149 ] فصل

واعلم أن الهمزة إذا توسطت في الكلمة ، أو وقعت طرفا منها ، وسكن ما قبلها ، وسواء كان ذلك الساكن حرف مد ولين فقط ، أو حرفا جامدا من سائر الحروف ؛ فإنها لم تصور خطا في الحالين في جميع المصاحف ؛ لأنها إذا سهلت ألقي حركتها على ذلك الساكن ، وأسقطت من اللفظ رأسا ، فلم تجعل لها صورة لذلك .

فحروف المد نحو قوله : يراءون ، و بريئون ، و براءة ، و بريء ، و من سوء وشبهه .

وحروف اللين نحو : سوءة أخي ، و " سوءاتكم " ، و كهيئة ، و " استيئسوا " ، وشبهه .

والحروف الجامدة نحو قوله : " وينئون عنه " ، و " يسئلون " ، و " يجئرون " ، و " لا تجئروا " ، و " لا تسئل " ، و " يسئمون " ، [ ص: 150 ] و " لا يسئم " ، و بين المرء ، و دفء ، و يفر المرء ، و ملء الأرض وشبهه .

إلا قوله : " أن تبوأ " ، و " لتنوأ " ، و السوأى ؛ فإن الهمزة صورت في هذه الثلاثة ألفا ، كما قدمناه .

وكذا صورت ياء في قوله في ( الكهف ) : موئلا .

فأما قوله : النشأة في ( العنكبوت ) و ( النجم ) والواقعة ) ؛ فإن كتاب المصاحف اتفقوا على رسم ألف بعد الشين في ذلك ، إما على قراءة من فتح الشين ، وأثبت بعدها ألفا ؛ وإما على قراءة من أسكن الشين ، ولم يثبت بعدها ألفا في اللفظ ، إلا أن الهمزة صورت ألفا لتحركها بالفتح ، كما تصور مع الحركة . وذلك الأصل ، وحذف صورتها مع الساكن تخفيف واختصار . وأيضا فإن الساكن الواقع قبلها لما كان بمنزلة الموقوف عليه كانت هي بمنزلة المبتدأة التي تصور ألفا بأي حركة تحركت . ولذلك لم تجعل معه في التخفيف بين بين ، وحذفت حذفا . وهذه العلة في هذه المواضع وشبهها تؤذن [ ص: 151 ] بمراد تحقيق الهمزة . فلذلك أثبتت صورتها فيها . والعلة الأولى تؤذن بتسهيلها ، فلذلك حذفت صورتها في المواضع التي حذفت فيها .

والهمزة قد تصور على المذهبين من التحقيق والتسهيل دلالة على فشوهما واستعمالهما فيها . إلا أن أكثر الرسم ورد على التخفيف . والسبب في ذلك كونه لغة الذين ولوا نسخ المصاحف زمن عثمان - رحمه الله - ، وهم قريش . وعلى لغتهم أقرت الكتابة حين وقع الخلاف بينهم وبين الأنصار فيها ، على ما ورد في الخبر الثابت المذكور في كتاب المرسوم . فلذلك ورد تصوير أكثر الهمز على التسهيل ، إذ هو المستقر في طباعهم ، والجاري على ألسنتهم . وأما القرآن [ ص: 152 ] فمنزل بالوجهين من التحقيق والتخفيف . وهما من السبع اللغات التي أذن الله تعالى للأمة في استعمالها ، والقراءة بما شاءت منها .

فإذا نقط جميع ما تقدم جعلت الهمزة نقطة بالصفراء بعد الساكن في السطر . وجعلت الحركات معها على ما تقدم . وتجعل النقطة بالصفراء ، وحركتها عليها في قوله : النشأة في الألف نفسها ؛ لأنها صورة لها ، وذلك على قراءة من أسكن الشين . فأما على قراءة من فتح الشين فإن الهمزة تجعل ، وحركتها عليها ، بعد الألف في البياض . وكذا تجعل الهمزة نقطة بالصفراء في الياء نفسها في قوله : موئلا . وتجعل حركتها تحتها . وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية