الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطرف الرابع في كيفية اللعان وفيه فصول

جزء التالي صفحة
السابق

الطرف الرابع : في كيفية اللعان : وفيه فصول .

الأول : في كلمات اللعان وهي خمس : أن يقول الزوج أربع مرات : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي من الزنا ، ويسميها ويرفع في نسبها بحيث تتميز إن كانت غائبة عن المجلس . وفي تعليق الشيخ أبي حامد ، أنه يرفع في نسبها بحيث تتميز عن سائر زوجاته إن كان في نكاحه غيرها ، فقد يشعر هذا بالاستغناء بقوله : فيما رميت به زوجتي عن الاسم والنسب ، إذا لم يكن [ ص: 351 ] تحته غيرها . فإن كانت المرأة حاضرة عنده أشار إليها ، وهل يحتاج مع الإشارة إلى التسمية ؟ وجهان . أصحهما : لا ، كسائر العقود والفسوخ . والثاني : نعم ، لأن اللعان مبني على الاحتياط والتغليظ ، وقد يقال في هذا التوجيه : لا يكتفى في الحاضرة بالتسمية ورفع النسب حتى تضم إليهما الإشارة ، ثم يقول في الخامسة : إن علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا ، ويعرفها في الغيبة والحضور كما في الكلمات الأربع ، وإن كان ولد ينفيه ذكره في الكلمات الخمس ، فيقول : وإن الولد الذي ولدته ، أو هذا الولد من الزنا وليس هو مني . وإن قال : هو من زنا واقتصر عليه ، كفى على الأصح ، ولو اقتصر على قوله : ليس مني ، لم يكف على الصحيح لاحتمال إرادة عدم الشبه ، ولو أغفل ذكر الولد في بعض الكلمات ، احتاج إلى إعادة اللعان لنفيه ، ولا تحتاج المرأة إلى إعادة لعانها على لعانها على المذهب . وحكى السرخسي تخريج قول فيه .

وصفة لعان المرأة أن تقول أربع مرات : أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا ، وتقول في الخامسة : علي غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به ، والقول في تعريفه غائبا وحاضرا ، كما ذكرنا في جانبها ، ولا تحتاج هي إلى ذكر الولد ، لأن لعانها لا يؤثر فيه . ولو تعرضت له ، لم يضر ، وفي " جمع الجوامع " للقاضي الروياني أن القفال حكى وجها ضعيفا أنها تذكره ، فتقول : هذا الولد ولده ليستوي اللعانان .

فرع

لا يثبت شيء من أحكام اللعان إلا إذا تمت الكلمات الخمس ، ولو حكم حاكم بالفرقة بأكثر كلمات اللعان ، لم ينفذ حكمه ، لأن حكمه غير جائز بالإجماع ، فلا ينفذ كسائر الأحكام الباطلة .

[ ص: 352 ] فرع

لو قال بدل كلمة الشهادة : أحلف بالله ، أو أقسم ، أو أؤلي بالله إني لمن الصادقين ، أو قال : بالله إني لمن الصادقين من غير زيادة ، أو أبدل لفظ اللعن بالإبعاد ، أو لفظ الغضب بالسخط ، أو الغضب باللعن أو عكسه ، لم يصح على الأصح في جميع ذلك . وقيل : لا يصح قطعا في إبدال الغضب باللعن ، ولا في الاقتصار على : بالله إني لمن الصادقين . ويشترط تأخير لفظتي اللعن والغضب عن الكلمات الأربع على الأصح ، ويشترط الموالاة بين الكلمات الخمس على الأصح ، فيؤثر الفصل الطويل .

فرع

يشترط في لعان الرجل والمرأة أن يأمر الحاكم به ، فيقول للملاعن : قل : أشهد بالله إني لمن الصادقين . . . إلى آخرها .

فرع

يشترط كون لعانها بعد لعان الرجل .

فرع

إن لم يكن للأخرس إشارة مفهومة ، ولا كتابة ، لم يصح قذفه ولا لعانه ، ولا سائر تصرفاته . وإن كان له إشارة مفهومة ، أو كتابة ، صح قذفه ولعانه ، كالبيع والنكاح والطلاق وغيرها ، ثم المفهوم من كلام الأكثرين ، وفي الشامل وغيره ، التصريح به أنه يصح لعانه بالإشارة وحدها ، وبالكناية وحدها ، وذكر المتولي ، أنه إذا لاعن بالإشارة ، أشار بكلمة الشهادة أربع مرات ، ثم بكلمة اللعن ، وإن لاعن بالكتابة ، كتب كلمة الشهادة وكلمة اللعن ، ويشير إلى كلمة الشهادة أربع مرات ، ولا يكلف أن يكتب أربع مرات ، وهذا الطريق الآخر [ ص: 353 ] جمع بين الإشارة والكتابة ، وهو جائز ، ولكن مقتضى التصحيح بالكتابة المجردة تكرير كتابة كلمة الشهادة .

وأما قول الغزالي في " الوجيز " : عليه أن يكتب مع الإشارة أو يورد اللفظ عليه ناطق فيشير بالإجابة - فلم يقله أحد من الأصحاب ، وإنما قال الإمام : لو قال به قائل ، لكان قريبا ، وحكاه في " البسيط " عن بعض الأصحاب ، ولا يعرف عن غيره . ولو لاعن الأخرس بالإشارة ، ثم عاد نطقه وقال : لم أرد اللعان بإشارتي ، قبل قوله فيما عليه ، فيلحقه النسب والحد ، ولا يقبل فيما له ، فلا ترتفع الفرقة والتحريم المؤبد ، وله أن يلاعن في الحال لإسقاط الحد ، وله اللعان لنفي الولد إن لم يفت زمن النفي . ولو قال : لم أرد القذف أصلا ، لم يقبل قوله ، ولو قذف ناطق ، ثم عجز عن الكلام لمرض أو غيره ، فإن لم يرج زوال ما به ، فهو كالأخرس ، وإن رجي ، فثلاثة أوجه . أحدها : لا ينتظر ، بل يلاعن بالإشارة لحصول العجز ، وربما مات فلحقه نسب باطل . والثاني : ينتظر وإن طالت مدته . وأصحهما : ينتظر ثلاثة أيام فقط . ونقل الإمام أن الأئمة صححوه . وعلى هذا ، فالوجه أن يقال : إن كان يرجى زواله إلى ثلاثة أيام ينتظر ، وإلا فلا ينتظر أصلا .

فرع

من لا يحسن العربية ، يلاعن بلسانه ، ويراعي ترجمة الشهادة واللعن والغضب ، فإن أحسن العربية ، فهل يتعين اللعان بها ، أم له أن يلاعن بأي لسان شاء ؟ فيه وجهان . أصحهما : الثاني . وإذا لاعن بغير العربية ، فإن كان القاضي يحسن تلك اللغة ، فلا حاجة إلى مترجم ، ويستحب أن يحضره أربعة ممن يحسنها ، وإن لم يحسنها ، فلا بد من مترجمين ، ويكفيان في جانب المرأة ، فإنها تلاعن لنفي الزنا لا لإثباته . وفي جانب الرجل طريقان . أصحهما : القطع بالاكتفاء باثنين ، وبه قال أبو إسحاق وابن سلمة . والثاني : على قولين بناء على الإقرار بالزنا يثبت بشاهدين ، أم يشترط أربعة ؟ والأظهر ثبوته بشاهدين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث