الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ذكر أحكام نقط ما يخفى من المدغم

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 81 ] باب

ذكر أحكام نقط ما يخفى من المدغم

اعلم أن ما أدغم من الحرفين المتماثلين في اللفظ والمتقاربين في المخرج ، وكانا متحركين ، وأضعف الصوت بحركة الحرف الأول ، ولم يسكن رأسا ؛ فإنه عند القراء والنحويين مخفى غير مدغم ؛ لأن زنة الحركة في ذلك الحرف ثابتة ، فهي بذلك تفصل بين المدغم فيه ، كما تفصل بينهما الحركة التامة المحققة ، وإذا كانت كذلك امتنع الإدغام الصحيح والتشديد التام في هذا الضرب ، وذلك في نحو قوله : شهر رمضان ، و من الرزق قل هي ، و يقول له ، و والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ، وما أشبه ذلك ، على مذهب أبي عمرو في إدغام ذلك ، سواء سكن ما قبله أو تحرك .

فإن نقط مصحف على مذهبه ؛ ففي أحكام نقط ذلك وجهان : أحدهما أن يجعل على الحرف الأول حركته نقطة ، ويجعل على الحرف الثاني علامة التشديد . فيستدل بذلك على أن الأول لم يخلص له السكون بحصول تلك الحركة عليه ، ولا خلصت له الحركة بتشديد الحرف الذي بعده ، وذلك حقيقة الإخفاء الذي هو حال بين حالتين ، من البيان والإدغام .

[ ص: 82 ] والوجه الثاني أن يعرى الحرف الأول من الحركة والسكون ، ويعرى الحرف الذي بعده من التشديد ، فيجعل عليه نقطة لا غير . فيتحقق بذلك أن الأول لم يخلص له السكون ، إذ قد أعري من علامته ، وأنه لم يدغم إدغاما تاما ، إذ قد أعري ما بعده من التشديد .

وغير جائز في هذا الضرب أن يجعل على الأول علامة السكون ، وعلى الثاني علامة التشديد ، كما جاز ذلك في المدغم الذي يبقى معه صوته المركب فيه من الغنة أو الإطباق ؛ لأن الحرف الأول هاهنا متحرك في الحقيقة ، وإن لم يتم الصوت ، ولا أشبع اللفظ بحركته ، لما ذكرناه من فصله في ذلك الحال بين المدغم والمدغم فيه . والحرف الأول هناك ساكن محض . فجاز جعل علامة السكون فيه كذلك .

* * *

فأما قوله في سورة (يوسف): ما لك لا تأمنا فإنه جاء مرسوما في جميع المصاحف بنون واحدة على لفظ الإدغام الصحيح . وأجمع أئمة القراءة على الإشارة إلى النون الأولى المدغمة في الثانية . واختلف أهل الأداء وعلماء العربية في كيفية تلك الإشارة ، فقال بعضهم : هي الإشارة بالعضو ، وهو الشفتان ، إلى ضمة النون التي كانت لها في الأصل قبل الإدغام . وقال آخرون ، وهم الأكثر : هي الإشارة بالحركة إلى النون لتأكيد دلالة ذلك على أصل الكلمة .

فالأولون يجعلون النون الأولى مدغمة في النون الثانية إدغاما تاما ؛ لأن الإشارة بالشفتين ليست بصوت خارج إلى اللفظ ، وإنما هي تهيئة العضو للدلالة على كيفية الحركة لا غير . والآخرون يجعلون النون الأولى مخفاة غير مدغمة ، [ ص: 83 ] لأن الإشارة بالحركة هي تضعيف الصوت بها . وقد قلنا : إن ما ضعف الصوت بحركته ؛ فالإدغام التام يبطل معه ، من حيث كان بمنزلة المتحرك .

فإن نقط ذلك على مذهب من جعله إدغاما صحيحا جعل على النون السوداء علامة التشديد ، وجعل قبلها نقطة علامة للإشارة التي هي الإشمام . ويجوز أن تجعل تلك النقطة الدالة عليه بعد النون ؛ لأن من علماء العربية من يقول : إن العضو يهيأ للإشمام بعد إخلاص السكون للنون الأولى ، وقبل حصول إدغامها . ومنهم من يقول : إنه يهيأ لها بعد الفراغ من الإدغام . وصورة نقط ذلك على الوجهين : تأمنا ، تأمنا ، وإذا جعلت النقطة قبل النون جعل قبلها بعد الميم علامة السكون جرة ؛ ليدل بذلك على أن الإشمام بعد خلوص السكون . وإن لم يجعل له علامة فحسن . ولا يجوز أن تلحق النون المدغمة بالحمرة بعد الميم ، على مذهب هؤلاء ؛ لأنها تذهب في قولهم بالإدغام رأسا .

وإن نقط ذلك على مذهب من جعله إخفاء ؛ ففيه وجهان : أحدهما أن تلحق نون بالحمرة بين الميم والنون السوداء ، وهي النون التي هي آخر الفعل المعلة بالإخفاء ؛ لأنها كالظاهرة ، لكون حركتها في زنة المحققة . وتجعل أمامها نقطة ، وتجعل على النون السوداء علامة التشديد . والثاني ألا تلحق النون ، وتجعل النقطة في موضعها ، وتشدد النون السوداء . فيستدل بالوجهين على الإخفاء الذي حكمه أن يضعف الصوت بحركته ، ولا يمطط . فيمتنع الحرف الأول من الحرفين بذلك من أن ينقلب إلى لفظ الثاني . وصورة نقط ذلك على الوجهين كما ترى : تأمنا ، تأمنا .

والقول بالإخفاء في ذلك أوجه ، وعليه أكثر العلماء ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث