الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل عقد الجزية

ثم شرع يتكلم على الجزية وأحكامها فقال درس ( فصل ) عقد الجزية ( عقد الجزية ) [ ص: 201 ] ( إذن الإمام لكافر ) ، ولو قرشيا ( صح سباؤه ) بالمد أي أسره وخرج بالإمام غيره فلا يصح عقدها منه إلا بإذن الإمام وخرج بقوله صح سباؤه المرتد فلا يصح سباؤه ; لأنه لا يقر على ردته والمعاهد قبل انقضاء عهده والراهب والراهبة الحران ( مكلف ) فلا تؤخذ من صغير ، ومجنون ( حر ) لا من عبد فإن بلغ الصبي أو عتق العبد أو أفاق المجنون أخذت منه ولا ينتظر حول بعد البلوغ ، وكذا ما بعده ، ومحل أخذها منهم إن تقدم لضربها على الأحرار حول فأكثر وتقدم له ، هو عندنا حول صبيا أو عبدا ( قادر ) على أدائها ولو بعضا فلا يؤخذ من معدم شيء منها ( مخالط ) لأهل دينه ولو راهب كنيسة أو شيخا فانيا أو زمنا أو أعمى لا من راهب منعزل بدير مثلا لا رأي له وإلا قتل ، ولا يبقى حتى تضرب عليه الجزية ( لم يعتقه مسلم ) ببلد الإسلام فإن أعتقه كافر أو مسلم ببلد الحرب أخذت منه ( سكنى ) معمول أذن أي أذن الإمام في سكنى ( غير مكة والمدينة ) ، وما في حكمهما من أرض الحجاز ( واليمن ) ; لأنه من جزيرة العرب المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم { لا يبقين دينان بجزيرة العرب } ( ولهم الاجتياز ) بجزيرة العرب غير مقيمين وكذا لهم إقامة ثلاثة أيام لمصالحهم إن دخلوا لمصلحة كجلب طعام ( بمال ) متعلق بسكنى أي أذن الإمام لكافر أن يسكن في غير جزيرة العرب على ما يبذلونه له بل في الحقيقة الجزية نفس المال المضروب عليهم لاستقرارهم تحت حكم الإسلام وصونهم ( للعنوي أربعة دنانير ) شرعية إن كان من أهل الذهب ( أو أربعون درهما ) شرعيا إن كانوا من أهل الفضة ، وأهل مصر أهل ذهب ، وإن تعومل فيها بالفضة [ ص: 202 ] ( في ) كل ( سنة ) قمرية ( والظاهر ) عند ابن رشد أخذها ( آخرها ) أي السنة كما هو نص الشافعي ، وهو القياس كالزكاة ، وقال أبو حنيفة أولها ، وكذلك الصلحية إذا وقعت مبهمة ( ونقص الفقير ) ، وأخذ منه ( بوسعه ) ، ولو درهما فإن أيسر بعد لم يؤخذ منه ما نقص لضيقه ( ولا يزاد ) على ما ذكر لكثرة يسار ( وللصلحي ) ، وهو من فتحت بلده صلحا ( ما شرط ) ورضي به الإمام أو نائبه فإن لم يرض الإمام فله مقاتلته ولو بذل أضعاف العنوي ( وإن أطلق ) في صلحه ( فكالأول ) أي فعليه بذل ما يلزم العنوي ( والظاهر ) عند ابن رشد ( إن ) ( بذل ) الصلحي القدر ( الأول ) ( حرم قتاله ) وإن لم يرض الإمام ، وهذا مقابل لقوله وللصلحي ما شرط أي مع رضا الإمام والمعتمد الأول ، وكان حقه أن يعبر بالفعل ; لأنه من عنده لا من الخلاف .

التالي السابق


( فصل : عقد الجزية ) ( قوله : عقد الجزية إلخ ) الإضافة على معنى اللازم أي العقد المنسوب للجزية فاندفع ما يقال الجزية اصطلاحا هي المال المأخوذ منهم فلا معنى لإضافة العقد إليه وإضافة العقد للجزية من إضافة المشروط للشرط ; لأن المراد بالعقد كما في الجواهر التزام تقريرهم في دارنا وحمايتهم والذب [ ص: 201 ] عنهم بشرط بذل الجزية والجزية العنوية ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه ( قوله : إذن الإمام ) لا بد في الكلام من حذف لأجل صحة الإخبار أي سبب عقد الجزية إذن الإمام ، أو عقد الجزية سببه إذن الإمام أو نائبه بلفظ أو إشارة مفهمة ( قوله : ولو قرشيا ) أي فتؤخذ الجزية منهم على الراجح قال المازري إنه ظاهر المذهب وهو مقتضى إطلاق المصنف ، وهذه طريقة ولابن رشد طريقة أخرى لا تؤخذ منهم إجماعا إما لمكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ; لأن قريشا أسلموا كلهم فإن وجد منهم كافر فمرتد ، وإذا ثبتت الردة فلا تؤخذ منهم ( قوله : فلا يصح عقدها منه إلا بإذن الإمام ) أي : لكنه وإن كان غير صحيح بغير إذن الإمام إلا أنه يمنع القتل والأسر وحينئذ فيرد لمأمنه حتى يعقدها معه الإمام أو نائبه .

( قوله : فلا يصح سباؤه ) علة لمحذوف أي فلا تؤخذ منه ; لأنه لا يصح إلخ ( قوله : والمعاهد ) أي وخرج المعاهد ، وهو الذي دخل بلادنا بأمان لقضاء غرض ثم يرجع لبلاده فلا تؤخذ منه الجزية ; لأنه لا يصح سباؤه ، وكذلك الراهب ( قوله : حر ) لعل المصنف استغنى بتذكير الأوصاف عن اشتراط الذكورية ، وإلا فالأنثى لا تضرب الجزية عليها خلافا لظاهره ( قوله : ولا ينتظر حول ) أي تمام الحول ( قوله : وكذا ما بعده ) أي ، ولا بعد الإفاقة ، ولا بعد العتق ( قوله : ومحل أخذها منهم ) أي من الصبي إذا بلغ ، والمجنون إذا أفاق ، والعبد إذا عتق ، ولا ينتظر حول بعد ذلك إن تقدم إلخ فإن اختل شرط من الشرطين انتظر الحول بعد البلوغ والإفاقة والعتق ( قوله : وإلا قتل ) أي : وإلا بأن كان له رأي ( قوله : ولا يبقى إلخ ) فيه نظر بل للإمام الاجتهاد فيه بالقتل وغيره كما تقدم . ا هـ بن .

( قوله : لم يعتقه مسلم ) اعلم أن العبد الكافر إذا عتق لا يخلو إما أن يعتق بدار الحرب وهذا تضرب عليه الجزية ; لأنه كواحد منهم سواء أعتقه حربي أو ذمي أو مسلم ، وإما أن يعتق بدار الإسلام وهذا إذا أعتقه مسلم لا تضرب عليه إلا إذا حارب وأسر ، وهذا خارج بقوله صح سباؤه ، وإن أعتقه ذمي ضربت عليه تبعا لسيده وإن كان لا يصح سباؤه ، وهذا وارد على المصنف فلو قال صح سبيه أو أعتقه ذمي لوفي به ، إذا علمت هذا فقوله : لم يعتقه مسلم لا حاجة إليه بعد قوله صح سباؤه لإغنائه عنه بل هو مضر لاقتضائه أن عتيق المسلم إذا حارب لا تضرب عليه . ا هـ . بن .

( قوله : وأخذت منه ) أي وأما لو أعتقه مسلم ببلد الإسلام فلا تضرب عليه إلا إذا حارب وأسر ( قوله : لأنه ) أي اليمن ( قوله : ولهم الاجتياز ) أي المرور وظاهره : ولو لغير حاجة ككون طريقه من غيرها أقرب .

قوله : ( وكذا لهم إقامة ثلاثة أيام ) ليس هذا تحديدا بل لهم إقامة الأيام القلائل بنظر الإمام إن احتاجوا لذلك وكان دخولهم لمصلحة كما لو دخلوا بطعام واحتاجوا لإقامة الأيام لاستيفاء ثمنه وقضاء حوائجهم ( قوله : للعنوي ) أي على العنوي ، وهو نسبة للعنوة ، وهي القهر والغلبة ( قوله : أربعة دنانير شرعية ) أي ، وهي أكبر من دنانير مصر لأن الدينار الشرعي أحد وعشرون حبة خروب وسبع حبة ونصف سبع حبة ، وأما الدينار المصري فثمان عشرة حبة فتكون الأربعة دنانير الشرعية أربعة دنانير مصرية وثلثي دينار وثلاثة أسباع تسع دينار ( قوله : أو أربعون درهما شرعيا ) أي ، وهي أقل من دراهم مصر ; لأن الدرهم الشرعي أربعة عشرة خروبة وثمانية أعشار خروبة ونصف عشر خروبة والمصري ست عشرة خروبة فزيادة الأربعين المصرية على الأربعين الشرعية ست وأربعون خروبة ، وهي [ ص: 202 ] درهمان بالمصري وسبعة أثمان درهم فيكون الأربعون درهما شرعية سبعة وثلاثين مصرية وثمن درهم ( قوله : في كل سنة قمرية ) أي لا شمسية لئلا تضيع على المسلمين سنة في كل ثلاث وثلاثين سنة ( قوله : ونقص الفقير ) أي عند الأخذ لا عند الضرب لأنها لا تضرب إلا كاملة قاله شيخنا ( قوله : مبهمة ) أي غير معين وقتها فإنها تؤخذ آخر السنة ( قوله : لم يؤخذ منه ما نقص لضيقه ) أي ما نقصناه أولا لأجل ضيقه .

( قوله : وللصلحي ) أي ، وعلى الصلحي فاللام بمعنى على ، وقوله : ما شرط يحتمل جعل ضمير شرط راجعا للإمام أي على الصلحي المال الذي شرطه الإمام ، وعلى هذا فلا يحتاج لزيادة ورضي به الإمام ، ويحتمل رجوعه للصلحي ، وعليه فلا بد من ذلك القيد ، ولا قرينة في كلام المصنف عليه فالاحتمال الأول أولى كما قال اللقاني ( قوله : فله مقاتلته ) أي على المذهب كما قال البدر ، وهو قول ابن حبيب ( قوله : وإن أطلق في صلحه ) أي لم يعين قدرا معلوما بأن وقع الصلح على الجزية مبهمة ، ( وقوله : فعليه بذل ما يلزم العنوي ) أي ، وهو أربعة دنانير أو أربعون درهما في كل سنة . ( قوله : والمعتمد الأول ) أي ، وهو أنه إذا لم يرض الإمام بما بذله فله مقاتلته سواء بذل القدر الأول أو أكثر منه .

والحاصل أن الإمام تارة يصالحهم على الجزية مبهمة من غير أن يبين قدرها ، وفي هذه الحالة يلزمه قبول جزية العنوي إذا بذلوها ، وتارة يتراضى معهم على قدر معين وفي هذه الحالة يلزمهم ما تراضوا عليه معه ، وتارة لا يتراضون معه على قدر معين ولا على الجزية مبهمة ، وفي هذه الحالة إذا بذلوا الجزية العنوية هل يلزمه قبولها أو لا قولان الأول لابن رشد ورجحه بن والثاني لابن حبيب ورجحه البدر القرافي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث