الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ذكر الدارة التي تجعل على الحروف الزوائد والحروف المخففة وأصلها ومعناها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 193 ] باب

ذكر الدارة التي تجعل على الحروف الزوائد والحروف المخففة ، وأصلها ومعناها

اعلم أن نقاط سلف أهل المدينة وأهل بلدنا اصطلحوا على جعل دارة صغرى بالحمراء على الحروف الزوائد في الخط ، المعدومة في اللفظ ، وعلى الحروف المخففة باتفاق أو اختلاف ؛ علامة لذلك ، ودلالة على حقيقة النطق به .

فالحروف الزوائد نحو الألف في قوله : مائة ، و مائتين ، و " لا تايئسوا " ، و " إنه لا يايئس " ، و " أفلم يايئس " . وكذلك " تفتؤا " ، و " يعبؤا " ، و " يبدؤا " . وكذلك " لن ندعوا " ، و " ليبلوا " . وكذلك : أنا ومن اتبعني ، و أنا ورسلي ، و أنا ربك وشبهه . ونحو الياء في قوله : " من نبإي المرسلين " ، [ ص: 194 ] و " أفإين مت " ، و " أفإين مات " ، و " ملإيه " ، و " ملإيهم " وشبهه ، على مذهب من جعل الألف قبلها هي الهمزة . ونحو الواو في قوله : أولئك ، و أولي ، و " أولوا " ، و " أولات ، وشبهه .

والحروف المخففة باتفاق نحو قوله : العادون ، و من العالين ، و " صدق المرسلون " ، و " قطعنا دابر " ، و ترى الذين كذبوا ، و " ربت " ، و مكروا ، و " مكرنا " ، و " من ثلثي اليل " ، و يا صاحبي السجن ، و " تعيها " ، و " حملناه " ، و " حملت الأرض " وشبهه .

والمخففة باختلاف نحو : وخرقوا له ، و أمن هو قانت ، [ ص: 195 ] و ما كذب الفؤاد ، و فقدرنا ، و عرف بعضه ، و فقدر عليه ، و " وجمع مالا " ، وشبهه .

وقد كان بعض شيوخنا من أهل النقط لا يجعلون الدارة إلا على الحروف الزوائد لا غير ؛ لعدمها في النطق ، ولا يجعلونها على الحروف المخففة ، من حيث كان عدمها من علامة التشديد دليلا على تخفيفها . فلم تحتج لذلك إلى علامة أخرى . وهو مذهب حسن .

غير أني بقول أهل المدينة أقول ، وبما جرى عليه استعمالهم أنقط . كما حدثنا أحمد بن عمر قال : نا محمد بن أحمد ، قال : نا عبد الله بن عيسى ، قال : نا قالون قال : في مصاحف أهل المدينة ، ما كان من حرف مخفف فعليه دارة حمرة .

* * *

قال أبو عمرو : وهذه الدارة التي تجعل على الحروف الزوائد ، وعلى الحروف المخففة هي الصفر اللطيف الذي يجعله أهل الحساب على العدد المعدوم في حساب [ ص: 196 ] الغبار ؛ دلالة على عدمه ، لعدم الحرف الزائد في النطق ، وعدم التشديد في الحرف المخفف سواء . فمن الصفر أخذت الدارة ، وهو أصلها .

وليس شيء من الرسم ، ولا من النقط اصطلح عليه السلف - رضوان الله عليهم - إلا وقد حاولوا به وجها من الصحة والصواب ، وقصدوا فيه طريقا من اللغة والقياس ، لموضعهم من العلم ، ومكانهم من الفصاحة . علم ذلك من علمه ، وجهله من جهله . والفضل بيد الله ، يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث