الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإذا قال القائل: "بل يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا فعل ولا خلق غيره، لأنه لو كان بفعل للزم أن يكون للفعل فعل، ولزم التسلسل وأن يكون محلا للحوادث".

قيل: فعلى هذا يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا قدرة من الفاعل ؛ لأن ثبوت القدرة يستلزم ثبوت الصفات وقيام الأعراض به.

فإذا قال: "الفعل بدون القدرة ممتنع، وليس في العقل ما يحيل لوازم القدرة، بل علمنا بامتناع الفعل بلا قدرة أعظم من علمنا بامتناع قيام الصفات به، وإن سماها المسمي أعراضا". [ ص: 270 ]

قيل له: والمخلوق المفعول بلا فعل ولا خلق أعظم امتناعا في العقل. وليس في العقل ما يحيل لوازم الفعل الذي كان بالقدرة، بل علمنا بامتناع ذلك أعظم من علمنا بامتناع قيام الأفعال به، وإن سماها المسمي حوادث.

يبين ذلك: أن افتقار المخلوق إلى خلق والمفعول المنفصل إلى فعل يعلم باللزوم العقلي وبالقول السمعي، فإن "فاعل وخالق" مثل متكلم وقائل ومريد ومتحرك وغير ذلك من الأسماء التي تستلزم قيام معان بالمسميات.

فلما ظهرت حجة عبد العزيز على المريسي في أنه لا بد من فعل للرب تعالى بقدرته، كما قال له: "يلزمك أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة ؛ لأن القدرة صفة لله، ولا يقال لصفة الله: هي الله، ولا يقال: إنها غير الله" ولم يقل عبد العزيز: إنها ليست هي الله ولا غيره، بل قال: لا يقال إنها هي الله، ولا يقال إنها غيره.

وقول عبد العزيز هذا هو قول أئمة السنة، كالإمام أحمد وغيره، وهو قول ابن كلاب وغيره من الأعيان. ولكن طائفة من أصحاب [ ص: 271 ] أحمد مع طائفة من متكلمي الصفاتية أصحاب الأشعري يقولون: لا هي الله ولا غيره.

وتلك العبارة هي الصواب، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن لفظ "الغير" فيه إجمال، فلا يصح إطلاقه لا نفيا ولا إثباتا على الصفة، ولكن يصح نفي إطلاقه نفيا أو إثباتا، كما قال السلف مثل ذلك في لفظ "الجبر" ونحوه من الألفاظ المجملة: إنه لا يطلق لا نفيها ولا إثباتها، وإذا قيل: "لا يطلق لا هذا ولا هذا" لم يلزم إثبات قسم ثالث، لا هو الموصوف ولا غير الموصوف، بل يلزم إثبات ما لا يطلق عليه لفظ الغير، لا ما ينفي عنه المغايرة.

التالي السابق


الخدمات العلمية