الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ كيف يستدرك ما درس في الكتاب ؟ ] :

( و ) كذا ( صححوا ) أي : أهل الحديث ، ( استدراك ما درس في كتابه ) بتقطيع أو بلل أو نحوهما ، ( من ) كتاب آخر ( غيره إن يعرف ) المستدرك ( صحته ) أي ذاك الكتاب ، بأن يكون صاحبه ثقة ممن أخذه عن شيخه ، أو نحو ذلك ، بحيث تسكن نفسه إلى أن ذلك هو الساقط من كتابه ، فقد فعله نعيم بن حماد وغيره ، إذا كان الساقط ( من بعض متن أو ) بعض ( سند ) كما قيده الخطيب ومن تبعه ، وكذا ولو كان أكثر حيث اتحد الطريق في المروي ، ولم تتنوع المرويات ، بناء على الاكتفاء بذلك في المقابلة والرواية كما تقرر في محله .

[ ص: 176 ] وامتنع أبو محمد بن ماسي من مطلق الاستدراك ، فإنه احترقت بعض كتبه ، وأكلت النار بعض حواشيها ، ووجد نسخا منها فلم ير أن يستدرك المحترق منها .

قال الخطيب : واستدراك مثل هذا عندي جائز . يعني بشرطه المتقدم . ( كما ) يجوز فيما ( إذا ) شك الراوي في شيء ، و ( ثبته ) فيه ( من يعتمد ) عليه ثقة وضبطا ، من حفظه أو كتابه ، أو أخذه هو من كتابه ، حسبما فعله عاصم ، وأبو عوانة ، ويزيد بن هارون ، وأحمد ، وابن معين ، وغيرهم ، إذ لا فرق ، ( وحسنوا ) فيهما ( البيان ) كما صرح به الخطيب في الأولى ، وحكاه في الثانية عن يزيد بن هارون فإنه قال : أنا عاصم ، وثبتني فيه شعبة . وعن ابن عيينة فإنه قال : حدثنا الزهري ، وثبتني فيه معمر . وممن فعله ابن خزيمة .

وقال البخاري في باب تعديل النساء بعضهن بعضا : حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود ، وأفهمني بعضه أحمد بن يونس ، ثنا فليح . وساق الحديث ، واختلف : هل أحمد رفيق أبي الربيع في الرواية عن فليح ، ويكون البخاري حمله عنهما جميعا على الكيفية المذكورة ، أو رفيق البخاري في الرواية عن أبي الربيع ؟ ولكن لسنا بصدد بيانه هنا .

وفي باب تشبيك الأصابع في المسجد قبيل المساجد التي على طرق المدينة من ( صحيح البخاري ) أيضا من حديث عاصم بن علي ، ثنا عاصم بن محمد - هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - قال : سمعت هذا الحديث من أبي فلم أحفظه ، فقومه لي واقد ، يعني أخاه ، عن أبيه - هو محمد بن [ ص: 177 ] زيد - قال : سمعت أبي - هو زيد بن عبد الله بن عمر - وهو يقول : قال عبد الله - يعني أباه - : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا عبد الله بن عمرو ، كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ؟ ) ، وفي باب قوله : ( واجتنبوا قول الزور ) من الأدب أورد حديثا عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب ، ثم قال في آخره : قال أحمد : أفهمني رجل إسناده .

وأخرج أبو داود الحديث المشار إليه عن أحمد بن يونس ، لكنه عكس فقال في آخره : قال أحمد : فهمت إسناده من ابن أبي ذئب ، فأفهمني الحديث رجل إلى جنبه ، أراه ابن أخيه .

وهكذا أخرجه الإسماعيلي عن إبراهيم بن شريك ، عن أحمد بن يونس . قال شيخنا : فيحمل على أن ابن يونس حدث به على الوجهين .

وفي باب ( قوموا إلى سيدكم ) من الاستئذان ساق حديثا عن أبي الوليد ، ثم قال في آخره : أفهمني بعض أصحابي عن أبي الوليد . ونحو هذا قول ابن عمر بعد قوله : ويزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ويهل أهل اليمن من يلملم ) لم أفقه هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وصار يروي هذه الجملة عن غيره مع كونه سمعها ، لكن لم يفقهها .

وفي ( البخاري ) أيضا في أواخر الأحكام عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يكون اثنا عشر أميرا ) فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنه قال : ( كلهم من قريش ) .

وأخرجه أبو داود بلفظ : ( لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة ) قال : فكبر الناس وضجوا ، فقال كلمة خفية ، وفي لفظ : كلاما لم أفهمه ، فقلت لأبي : يا أبه ، ما قال ؟ فذكره .

وأصله عند [ ص: 178 ] مسلم دون قوله : ( فكبر الناس وضجوا ) .

ووقع عند الطبراني من وجه آخر : فالتفت فإذا أنا بعمر بن الخطاب وأبي في أناس ، فأثبتوا لي الحديث .

على أنه روي بدون بيان ، ولكن هذا أرجح ، وعن عقبة بن عامر وغيره من الصحابة كما أشار إليه ابن كثير نحوه .

وروى الشافعي عن مالك رحمهما الله حديث مالك بن أوس بن الحدثان في الصرف بلفظ : حتى يأتي خازني من الغابة . أو قال : جاريتي . ثم قال : أنا شككت ، وقد قرأته على مالك صحيحا لا شك فيه ، ثم طال علي الزمان ولم أحفظ حفظا ، فشككت في جاريتي أو خازني ، وغيري يقول عنه : خازني .

وقد تقدم شيء مما نحن فيه في الفرع الخامس من الفروع التالية لثاني أقسام التحمل ، وهذا الفرع مما يفترق فيه الرواية مع الشهادة ، وإن استدل بعضهم لأصله بقوله تعالى : فتذكر إحداهما الأخرى فإن بين ولم يعين من ثبته فلا بأس ، كما في بعض هذه الأمثلة ، وقد فعله أبو داود أيضا في ( سننه ) عقب حديث الحكم بن حزن الكلفي فقال : ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا .

( وكـ ) مسألة ( المستشكل كلمة ) من غريب العربية أو غيرها ; لكونه وجدها ( في أصله ) غير مقيدة ، ( فليسأل ) أي فلأجل ذلك يسأل عنها أهل العلم بها واحدا فأكثر ، وليروها على ما يخبر به ، وقد أمر أحمد بذلك ، فإنه سئل عن حرف فقال : سلوا عنه أصحاب الغريب ، فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن . وسيأتي في الغريب .

وروى الخطيب في ذلك عنه أن رجلا قال له : [ ص: 179 ] يا أبا عبد الله ، الرجل يكتب الحرف من الحديث لا يدري أي شيء هو ، إلا أنه قد كتبه صحيحا ; أيريه إنسانا فيخبره به ؟ فقال : لا بأس .

وعن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني النحوي قال : كان عفان يجيء إلى الأخفش وإلى أصحاب النحو ، فيعرض عليهم الحديث يعربه ، فقال له الأخفش : عليك بهذا . يعني أبا حاتم .

قال أبو حاتم : فكان عفان بعد ذلك يجيئني حتى عرض علي حديثا كثيرا .

وعن الأوزاعي أنه كان يعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصححها .

وعن ابن المبارك قال : إذا سمعتم مني الحديث فاعرضوه على أصحاب العربية ، ثم أحكموه . وعن ابن راهويه أنه كان إذا شك في الكلمة يقول : أهاهنا فلان ؟ كيف هذه الكلمة .

وسمع سعيد بن شيبان - وكان عالما بالعربية - ابن عيينة وهو يقول : " تعلق من ثمار الجنة " . بفتح اللام ، فقال له : " تعلق " يعني بضمها من " علق " ، يعني بفتح اللام ، فرجع ابن عيينة إليه .

وسمع الأصمعي شعبة وهو في مجلسه يقول : " فيسمعون جرش طير الجنة " قاله بالشين المعجمة ، .

فقال له الأصمعي : جرس . يعني بالمهملة .

فقال شعبة : خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منا .

وسمع أبو محمد عبد الله بن محمد البافي شيخ الشافعية أبا القاسم الداركي أحد أئمة الشافعية أيضا يقول في تدريسه : إذا أزفت الحدود فلا شفعة .

فسأل عنها ابن جني النحوي فلم يعرفها ، فسأل المعافى بن زكريا فقال : أرفت ، يعني بالراء والفاء المشددة ، والأرف المعالم ، يريد إذا ثبتت الحدود وعينت المعالم وميزت فلا شفعة .

إذا علم هذا فمن أراد الاستثبات من غيره عن شيء عرض له فيه شك ، فلا يذكر [ ص: 180 ] له المحل المشكوك فيه ابتداء خوفا من أن يتشكك فيه أيضا ، بل يذكر له طرف ذاك الحديث فهو غالبا أقرب في حصول الأرب .

التالي السابق


الخدمات العلمية