الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
[ تعميم التحديث لكل طالب حديث ] وسو بين من قصدك للتحديث ، ( وهب لم يخلص النية ) بحسب القرائن الدالة على ذلك ( طالب فـ ) لا تمنع من تحديثه ، بل ( عم ) جميع من سألك أو حضر مجلسك ، استحبابا ، كما صرح به الخطيب في ( جامعه ) إذ التأهل وقت التحمل ليس بشرط .

وقد قال حسين بن علي الجعفي : كنت امتنعت أن أحدث فأتاني آت في النوم فقال : ما لك لا تحدث ؟ فقلت : إنهم ليسوا يطلبون به الله تعالى . فقال : حدث أنت ، ينفع من نفع ، ويضر من ضر .

وفي ( زيادات المسند ) من طريق الشعبي عن علي قال : تعلموا العلم صغارا تنتفعوا به كبارا ، تعلموا العلم لغير الله يصير لذات الله . وعند الخطيب عن يحيى بن يمان قال : ما سمعت الثوري يعيب العلم قط ولا من يطلبه ، فيقال له : ليست لهم نية . فيقول : طلبهم للعلم نية .

وعن حبيب بن أبي ثابت ومعمر أنهما قالا : طلبنا الحديث وما لنا فيه نية ، ثم رزق الله النية بعد . وفي لفظ عن معمر قال : كان يقال : الرجل ليطلب العلم لغير الله ، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله .

وجاء قوم إلى سماك يطلبون الحديث فقال له جلساؤه : ما ينبغي لك [ ص: 224 ] أن تحدثهم لأنهم لا رغبة لهم ولا نية . فقال لهم سماك : ( قولوا خيرا ، فقد طلبنا هذا الأمر ونحن لا نريد الله به ، فلما بلغت منه حاجتي دلني على ما ينفعني وحجزني عما يضرني ) .

ولابن عبد البر عن الحسن البصري والثوري قالا : ( طلبنا العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة ) .

وعن ابن عيينة قال : طلبنا الحديث لغير الله فأعقبنا الله ما ترون .

ونحوه قول ابن المبارك : طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا .

وقال الغزالي : مات والدي وخلف لي ولأخي شيئا يسيرا ، فلما فني وتعذر القوت علينا صرنا إلى بعض الدروس مظهرين لطلب الفقه ، وليس المراد سوى تحصيل القوت ، وكان تعلمنا العلم لذلك لا لله ، فأبى أن يكون إلا لله . على أنه قال في ( الإحياء ) : هذه الكلمة اغتر بها قوم في تعلم العلم لغير الله ثم رجوعهم إلى الله .

قال : وإنما العلم الذي أشار إليه هذا القائل هو علم الحديث والتفسير ومعرفة سير الأنبياء والصحابة ، فإن فيه التخويف والتحذير ، وهو سبب لإثارة الخوف من الله ، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل .

فأما الكلام والفقه المجرد الذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات المذهب منه والخلاف ، فلا يرد الراغب فيه للدنيا إلى الله ، بل لا يزال متماديا في حرصه إلى آخر عمره .

[ ص: 225 ] وقال في موضع آخر : قال بعض المحققين : إن معناه أن العلم أبى وامتنع علينا فلم ينكشف لنا حقيقته ، وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه . وامتنع بعض الورعين من ذلك ، فروى الخطيب عن الفضيل بن عياض أنه قيل له : ألا تحدثنا تؤجر ؟ قال : على أي شيء أؤجر ؟ على شيء تتفكهون به في المجالس .

ونحوه ما حكي عن علي بن عثام أنه كان يقول : الناس لا يؤتون من حلم ، يجيء الرجل فيسأل ، فإذا أخذ غلط ، ويجيء الرجل فيأخذ ثم يصحف ، ويجيء الرجل فيأخذ ليماري صاحبه ، ويجيء الرجل فيأخذ ليباهي به ، وليس علي أن أعلم هؤلاء إلا رجل يجيئني فيهتم لأمر دينه ، فحينئذ لا يسعني أن أمنعه . وقد أسلفت في " متى يصح تحمل الحديث " شيئا من توقف بعض الورعين .

ولكن قد فصل الماوردي في ( أدب الدنيا والدين ) له تفصيلا حسنا ، فقال : إن كان الباعث للطلب دينيا وجب على الشيخ إسعافه ، وإن لم يكن ; فإن كان مباحا ، كرجل دعاه طلب العلم إلى حب النباهة وطلب الرياسة ، فهو قريب مما قبله ; لأن العلم يعطفه على الدين في ثاني الحال ، وإن كان الداعي محظورا ، كرجل دعاه طلب العلم إلى شر كامن يريد أن يستعمله في شبه دينية ، وحيل فقهية لا [ ص: 226 ] يجد أهل السلامة منها مخلصا ، ولا عنها مدفعا ، فينبغي للشيخ أن يمنعه من طلبته ، ويصرفه عن بغيته ، ولا يعينه على إمضاء مكره وإعمال شره ، ففي الحديث ( واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر والذهب ) انتهى .

وقال بعض الأدباء :


ارث لرومية توسطها خنزير وابك لعلم حواه شرير

وكذا كان بعضهم يمتنع من إلقاء العلم لمن لا يفهمه ، فحكى الماوردي أن تلميذا سأل عالما عن علم فلم يفده ، فقيل له : لم منعته ؟ فقال : لكل تربة غرس ، ولكل بناء إس . وعن وهب بن منبه قال : ينبغي للعالم أن يكون بمنزلة الطباخ الحاذق ، يعمل لكل قوم ما يشتهون من الطعام .

وعن بعض البلغاء قال :


لكل ثوب لابس     ولكل علم قابس

التالي السابق


الخدمات العلمية