الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 5859 ) مسألة ; ( قال أبو عبد الله : وإذا قال لها : أنت خلية ، أو أنت برية ، أو أنت بائن ، أو حبلك على غاربك ، أو الحقي بأهلك . فهو عندي ثلاث ولكني أكره أن أفتي به ، سواء دخل بها أو لم يدخل ) أكثر الروايات عن أبي عبد الله ، كراهية الفتيا في هذه الكنايات ، مع ميله إلى أنها ثلاث ، وحكى ابن أبي موسى ، في " الإرشاد " عنه روايتين ; إحداهما ، أنها ثلاث . والثانية ، يرجع إلى ما نواه . اختارها أبو الخطاب . وهو مذهب الشافعي ، قال : يرجع إلى ما نوى ، فإن لم ينو شيئا وقعت واحدة .

                                                                                                                                            ونحوه قول النخعي ، إلا أنه قال : يقع طلقة بائنة ; لأن لفظه يقتضي البينونة ، ولا يقتضي عددا . وروى حنبل ، عن أحمد ، ما يدل على هذا ; فإنه قال : يزيدها في مهرها إن أراد رجعتها . ولو وقع ثلاثا لم يبح له رجعتها ، ولو لم تبن لم يحتج إلى زيادة في مهرها . واحتج الشافعي بما روى أبو داود بإسناده ، { أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة ألبتة ، فأخبر [ ص: 299 ] النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وقال : والله ما أردت إلا واحدة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما أردت إلا واحدة ؟ فقال ركانة : آلله ما أردت إلا واحدة . فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمن عمر ، والثالثة في زمن عثمان . } قال علي بن محمد الطنافسي : ما أشرف هذا الحديث .

                                                                                                                                            ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنة الجون : " الحقي بأهلك " . ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليطلق ثلاثا وقد نهى عن ذلك ، ولأن الكنايات مع النية كالصريح ، فلم يقع به عند الإطلاق أكثر من واحدة ، كقوله : أنت طالق . وقال الثوري ، وأصحاب الرأي : إن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى اثنتين أو واحدة وقعت واحدة ، ولا يقع اثنتان ; لأن الكناية تقضي البينونة دون العدد ، والبينونة بينونتان صغرى وكبرى ، فالصغرى بالواحدة ، والكبرى بالثلاث ، ولو أوقعنا اثنتين كان موجبه العدد ، وهي لا تقتضيه .

                                                                                                                                            وقال ربيعة ، ومالك : يقع بها الثلاث ، وإن لم ينو إلا في خلع أو قبل الدخول ، فإنها تطلق واحدة ; لأنها تقتضي البينونة ، والبينونة تحصل في الخلع وقبل الدخول بواحدة ، فلم يزد عليها ; لأن اللفظ لا يقتضي زيادة عليها ، وفي غيرهما يقع الثلاث ضرورة أن البينونة لا تحصل إلا بها ، ووجه أنها ثلاث أنه قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فروي عن علي ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، أنها ثلاث . قال أحمد في الخلية والبرية والبتة : قول علي وابن عمر قول صحيح ثلاثا . وقال علي ، والحسن ، والزهري ، في البائن : إنها ثلاث .

                                                                                                                                            وروى النجاد ، بإسناده عن نافع ، أن رجلا جاء إلى عاصم وابن الزبير فقال : إن ظئري هذا طلق امرأته ألبتة قبل أن يدخل بها ، فهل تجدان له رخصة ؟ فقالا : لا ، ولكنا تركنا ابن عباس وأبا هريرة عند عائشة ، فسلهم ، ثم ارجع إلينا ، فأخبرنا . فسألهم ، فقال أبو هريرة : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره . وقال ابن عباس هي ثلاث . وذكر عن عائشة متابعتهما . وروى النجاد بإسناده ، أن عمر رضي الله عنه جعل ألبتة واحدة ، ثم جعلها بعد ثلاث تطليقات . وهذه أقوال علماء الصحابة ، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم ، فكان إجماعا ، ولأنه طلق امرأته بلفظ يقتضي البينونة ، فوجب الحكم بطلاق تحصل به البينونة ، كما لو طلق ثلاثا ، أو نوى الثلاث ، واقتضاؤه للبينونة ظاهر في قوله : أنت بائن . وكذا في قوله : ألبتة ; لأن البت القطع ، فكأنه قطع النكاح كله ، ولذلك يعبر به عن الطلاق الثلاث ، كما قالت امرأة رفاعة إن رفاعة طلقني فبت طلاقي . وبتله هو القطع أيضا ; ولذلك قيل في مريم البتول ; لانقطاعها عن النكاح .

                                                                                                                                            ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل ، وهو الانقطاع عن النكاح بالكلية . وكذلك الخلية والبرية يقتضيان الخلو من النكاح والبراءة منه ، وإذا كان للفظ معنى ، فاعتبره الشرع ، إنما يعتبر فيما يقتضيه ويؤدي معناه ، ولا سبيل إلى البينونة بدون الثلاث ، فوقعت ضرورة الوفاء بما يقتضيه لفظه ، ولا يمكن إيقاع واحدة بائن ; لأنه لا يقدر على ذلك بصريح الطلاق ، فكذلك بكناياته ، ولم يفرقوا بين المدخول بها وغيرها ; لأن الصحابة لم يفرقوا ، ولأن [ ص: 300 ] كل لفظة أوجبت الثلاث في المدخول بها ، أوجبتها في غيرها ، كقوله : أنت طالق ثلاثا . فأما حديث ركانة ; فإن أحمد ضعف إسناده ، فلذلك تركه . وأما قوله عليه السلام لابنة الجون : " الحقي بأهلك " .

                                                                                                                                            فيدل على أن هذه اللفظة لا تقتضي الثلاث ، وليست من اللفظات التي قال الصحابة فيها بالثلاث ، ولا هي مثلها ، فيقصر الحكم عليها . وقولهم : إن الكناية بالنية كالصريح . قلنا : نعم ، إلا أن الصريح ينقسم إلى ثلاث تحصل بها البينونة ، وإلى ما دونها مما لا تحصل به البينونة ، فكذلك الكناية تنقسم كذلك ، فمنها ما يقوم مقام الصريح المحصل للبينونة ، وهو هذه الظاهرة ، ومنها ما يقوم مقام الواحدة ، وهو ما عداها ، والله أعلم . ( 5860 ) فصل : وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد ، والخرقي ; أن الطلاق يقع بهذه الكنايات من غير نية ، كقول مالك ; لأنه اشتهر استعمالها فيه ، فلم تحتج إلى نية كالصريح .

                                                                                                                                            ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يقع إلا بنية ; لقوله : وإذا أتى بصريح الطلاق وقع نواه أو لم ينوه . فمفهومه أن غير الصريح لا يقع إلا بنية ، ولأن هذا كناية ، فلم يثبت حكمه بغير نية ، كسائر الكنايات .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية