الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء

( ( منها كلام الله معجز الورى كذا انشقاق البدر في غير امترا ) )

( ( منها ) ) أي من معجزات نبينا خاتم الأنبياء والمرسلين بل أعظمها وأجلها ، ( ( كلام الله ) ) المنزل على النبي المرسل ، ( ( معجز الورى ) ) كفتى : الخلق جميعهم إنسهم وجنهم ، وأولهم وآخرهم فهو معجز بنفسه ليس في وسع البشر الإتيان بسورة من مثله كما تقدم ذلك موضحا ، و ( ( كذا ) ) من غرر معجزاته - صلى الله عليه وسلم - ( ( انشقاق البدر ) ) أي القمر ، قال في القاموس : والبدر : القمر الممتلئ . انتهى .

وهو أحد الكواكب السيارة التي هي الشمس والقمر والزهرة وعطارد والمريخ والمشترى وزحل ، فانشقاق القمر نصفين ثابت ، ( ( من غير امترا ) ) أي من غير شك ولا جدل ، مأخوذ من المرية - بالضم والكسر - والشك والجدل ، يقال : ماراه مماراة ومراء وامترى فيه وتمارى : شك كما في القاموس . وفي النهاية المراء الجدال [ ص: 292 ] والتماري والمماراة : المجادلة على مذهب الشك والريبة . انتهى .

وإنما قال من غير امترا لثبوت ذلك وظهوره لكل أحد ظهورا تاما وثبوتا جازما ، وقصة ذلك كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما .

وقال شيبان عن قتادة : فأراهم انشقاق القمر مرتين .

وفي حديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم وغيرهما قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اشهدوا .

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : اجتمع المشركون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن فعلت تؤمنون ؟ قالوا : نعم . فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربه - عز وجل - أن يعطيه ما سألوا ، فانشق القمر فرقتين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي : يا فلان يا فلان اشهدوا ، وذلك بمكة قبل الهجرة .

وقال مجاهد : انشق القمر فبقيت فرقة من وراء الجبل . وقال ابن زيد : لما انشق القمر كان يرى بجبل قعيقعان النصف وبأبي قبيس النصف الآخر . قال في النهاية : قعيقعان جبل بمكة قيل : سمي بذلك لأن جرهما لما تحاربوا كثرت قعقعة السلاح هناك ، وجبل أبي قبيس مشهور معلوم بمكة .

وروى الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فرقتين فرقة على هذا الجبل ، وفرقة على هذا الجبل فقالوا : سحرنا محمد وقالوا : إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم ، فاسألوا فإن شهدوا بما أبصرتموه فهو حق وليس هو سحرا ، فسألوا من كان مسافرا عن مكة من أهلها ومن غيرهم فأخبروهم أنهم رأوا ذلك فتمادوا في كفرهم وعتوهم ولم يؤمنوا .

وروى الطبراني عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال قوم : هذا سحر سحركم ابن أبي كبشة فاسألوا السفار يقدمون عليكم فإن كان مثل ما رأيتم فقد صدق وإلا فهو سحر ، فقدم السفار فسألوهم فقالوا : نعم قد رأينا ، قد انشق القمر .

وأخرج أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في قوله تعالى : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) قال : [ ص: 293 ] انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ( قلت ) قد ثبت انشقاق القمر بنص القرآن العظيم ، وبالسنة الصحيحة الصريحة عن الرسول الكريم ، وقد بلغت الأحاديث بذلك مبلغ التواتر وأجمع على ذلك أهل الحق .

وهذا الانشقاق الواقع للقمر من خصائص نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - التي اختص بها عن سائر النبيين والمرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - فلم يشركه في ذلك غيره ولم يقع لأحد سواه وهو من أمهات معجزاته التي لا يكاد يعدلها بعد القرآن شيء ، ولا يعدلها آية من آيات الأنبياء - عليهم السلام - لظهور ذلك في ملكوت السماوات خارجا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع ، فهو آية ومعجزة جسيمة ولهذا قرنها بمعجزة القرآن واقتصر عليهما من المعجزات ، لأن فيهما كفاية عما سواهما وإلا فمعجزاته - صلى الله عليه وسلم - لا تحصى ودلائل نبوته لا تستقصى .

التالي السابق


الخدمات العلمية