الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقد أكثر الناس في قتل عثمان ، فمنهم من قد زعم أنه قتل ظالما ، ومنهم من قد زعم أنه قتل مظلوما ، وكان الإكثار في ذلك على طلحة والزبير . قالت قريش : أيها الرجلان ، إنكما قد وقعتما في ألسن الناس في أمر عثمان فيما وقعتما فيه ، فقام طلحة في الناس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ، ما قلنا [ ص: 269 ] في عثمان أمس إلا نقول لكم فيه اليوم مثله أنه خلف الدنيا بالتوبة ، ومال عليه قوم فقتلوه ، وأمره إلى الله ، ثم قام الزبير فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا أيها الناس ، إن الله اختار من كل شيء شيئا ، واختار من الناس محمدا صلى الله عليه وسلم ، أرسله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، واختار من الشهور رمضان ، وأنزل فيه القرآن ، وفرض فيه الصيام ، واختار من الأيام يوم الجمعة فجعله عيدا لأهل الإسلام ، واختار من البلدان هذين الحرمين : مكة والمدينة ، فجعل بمكة البيت الحرام ، وجعل بالمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل ما بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة ، واختار من الشورى التسليم ، كما اختار هذه الأشياء ، فأذهبت الشورى بالهوى والتسليم بالشك ، وقد تشاورنا فرضينا عليا ، وأما إن قتل عثمان فأمره إلى الله .

فلما رأى علي اختلاف الناس في قتل عثمان ،  صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، أقبلوا علي بأسماعكم وأبصاركم ، إن الناس بين حق وباطل ، فلئن علا أمر الباطل لقديما ما فعل ، وإن يكن الحق قد غاب فلعل ، وإني أخاف أن أكون أنا وأنتم قد أصبحنا في فتنة ، وما علينا فيها إلا الاجتهاد ، الناس اثنان وثلاثة لا سادس لهم : ملك [ ص: 270 ] طار بجناحيه ، أو نبي أخذ الله بيده ، أو عامل مجتهد ، أو مؤمل يرجو ، أو مقصر في النار ، وإن الله أدب هذه الأمة بأدبين : بالسيف والسوط ، لا هوادة عند السلطان فيهما ، فاستتروا ، واستغفروا الله ، فأصلحوا ذات بينكم .

ثم نزل ، وعمد إلى بيت المال ، وأخرج ما فيه ، وفرقه على المسلمين ، ثم بعث إلى سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ، فقال : لقد بلغني عنكم هنات ، فقال سعد : صدقوا ، لا أبايعك ، ولا أخرج معك حيث تخرج حتى تعطيني سيفا يعرف المؤمن من الكافر ، وقال له ابن عمر : أنشدك الله والرحم أن تحملني على ما لا أعرف ، والله لا أبايع حتى يجتمع المسلمون على من جمعهم الله عليه ، وقال محمد بن مسلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني إذا اختلف أصحابه ألا أدخل فيما بينهم ، وأن أضرب بسيفي صخر أحد ، فإذا انقطع أقعد في بيتي حتى يأتيني يد خاطئة أو منية قاضية ، وقد فعلت ذلك ، ثم دعا علي أسامة بن زيد ، وأراده على البيعة ، فقال أسامة : أما البيعة فإنني أبايعك ، أنت أحب الناس إلي وآثرهم عندي ، وأما القتال فإني عاهدت [ ص: 271 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا الله ، فلما رآهم علي مختلفين ، قال : أخرجوني من هذه البيعة ، واختاروا لأنفسكم من أحببتم ، فسكتوا وقاموا وخرجوا ، فدخل عليه المغيرة بن شعبة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني مشير عليك بخلال ثلاث ، فافعل أيها شئت ، فقال : ما هي يا أعور ؟ فقال : إني أرى من الناس بعض التثاقل فيك ، فأرى أن تأتي بجمل ظهر فتركبه وتركض في الأرض هاربا من الناس ، فإنهم إذا رأوا ذلك منك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك وخيولا ، ثم ركضوا في أثرك ، حتى يدركوك حيث ما كنت ، ويقلدوك هذا الأمر على اجتماع منهم شئت أو أبيت ، فإن لم تفعل هذا ، فأقر معاوية على الشام كله ، واكتب إليه كتابا بذلك تذكر فيه من شرفه وشرف آبائه ، وأعلمه أنك ستكون له خيرا من عمر وعثمان ، واردد عمرو بن العاص على مصر ، واذكر في كتابك شرفه وقدمه ، فإنه رجل يقع الذكر منه موقعا ، فإذا ثبت الأمر أذنت لهما حينئذ في القدوم عليك تستخبرهما عن البلاد والناس ، ثم تبعث بعاملين وتقرهما عندك ، فإن أبيت ، فاخرج من هذه البلاد فإنها ليست ببلاد كراع وسلاح .

فقال علي : أما ما ذكرت من فراري من الناس ، فكيف أفر منهم وقد بايعوني ، وأما أمر معاوية وعمرو بن العاص ; فلا يسألني الله عن إقرارهما ساعة واحدة في سلطاني ، وما كنت متخذ المضلين عضدا ، وأما خروجي من هذه البلاد إلى غيرها ، فإني ناظر في ذلك ، فخرج من عنده المغيرة ، ثم عاد وهو عازم على الخروج إلى الشام واللحوق بمعاوية ، فقال له : [ ص: 272 ] يا أمير المؤمنين أشرت عليك بالأمس في رأيي بمعاوية وعمرو ، إن الرأي أن تعاجلهم بالنزع ، فقد عرف السامع من غيره ، وتستقبل أمرك ، ثم خرج من عنده ، فلقيه ابن عباس خارجا وهو داخل ، فلما انتهى إليه قال : رأيت المغيرة خارجا من عندك ، فيم جاءك ؟ قال : جاءني أمس برأي واليوم برأي ، وأخبره بالرأيين ، فقال ابن عباس : أما أمس فقد نصحك ، وأما اليوم فقد غشك ، قال : فما الرأي ؟ قال ابن عباس : كان الرأي قبل اليوم ، قال : علي : علي ذلك ، قال : كان الرأي أن تخرج إلى مكة ، حتى تدخلها وتدخل دارا من دورها وتغلق عليك بابك ، فإن الناس لم يكونوا ليدعوك ، وإن قريشا كانت تضرب الصعب والذلول في طلبك ; لأنها لا تجد غيرك ، فأما اليوم فإن بني أمية يستحسنون الطلب بدم صاحبهم ، ويشبهون على الناس بأن يلزموك شعبة من أمره ، ويلطخونك من ذلك ببعض اللطخ ، فهم علي بالنهوض إلى الشام ليزور أهلها ، وينظر ما رأي معاوية وما هو صانع ، فجاءه أبو أيوب الأنصاري ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لو أقمت بهذه البلاد ; لأنها الدرع الحصينة ، ومهاجرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وبها قبره ومنبره ومادة الإسلام [ ص: 273 ] فإن استقامت لك العرب كنت فيها كمن كان ، وإن تشعب عليك قوم رميتهم بأعدائهم ، وإن ألجئت حينئذ إلى المسير سرت وقد أعذرت ، فقال علي : إن الرجال والأموال بالعراق ، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، ثم أخذ بما أشار عليه أبو أيوب الأنصاري ، وعزم على المقام بالمدينة .

التالي السابق


الخدمات العلمية