الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      فَصْلٌ [ الْكَلَامُ عَلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ ] وَإِذَا انْقَضَى الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ الرَّاوِي ، فَالْكَلَامُ فِي الثَّانِي وَهُوَ الْمَتْنُ ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَصِحُّ كَوْنُهُ ، وَلَا يَسْتَحِيلُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ ، فَإِنْ أَحَالَهُ الْعَقْلُ رُدَّ . قَالَ الْغَزَالِيُّ ، إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ : وَأَمَّا أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ فَكُلُّ مَا صَحَّ تَطَرُّقُ التَّأْوِيلِ إلَيْهِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ قُبِلَ ، وَمَا لَا يُؤَوَّلُ ، وَأَوْهَمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِصِحَّتِهِ ، وَلَا مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالصَّحَابَةِ ، فَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَهُوَ إمَّا غَلَطٌ مِنْ الرَّاوِي أَوْ مَنْسُوخٌ حُكْمُهُ ، وَأَنْ لَا يُخَالِفُهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَقْدِيمِ الْمَقْطُوعِ عَلَى الْمَظْنُونِ ، فَإِنْ خَالَفَهُ قَاطِعٌ عَقْلِيٌّ وَلَمْ يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ عُلِمَ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَى الشَّارِعِ ، وَإِنْ قَبِلَهُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ سَمْعِيًّا ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ عُلِمَ تَأَخُّرُ الْمَقْطُوعِ عَنْهُ حُمِلَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهِ ، وَأَنْ لَا يَنْفَرِدَ رَاوِيهِ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَنْقُلَهُ أَهْلُ التَّوَاتُرِ ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عِلْمُهُ ، فَإِنْ انْفَرَدَ لَمْ يُقْبَلْ . قَالَهُ فِي " اللُّمَعِ " ، وَكَذَا الْأُسْتَاذَانِ : ابْنُ فُورَكٍ وَأَبُو مَنْصُورٍ قَالَا : وَلِهَذَا رَدَدْنَا رِوَايَةَ الْإِمَامِيَّةِ فِي النَّصِّ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ ، وَقُلْنَا : لَوْ كَانَ حَقًّا لَظَهَرَ نَقْلُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْفُرُوضِ الَّتِي لَا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهَا . قَالَ ابْنُ فُورَكٍ : فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَى الْجَمَاعَةِ عَلْمُهُ فَجَاءَ بِنَقْلِهِ الْخَاصَّةُ ، وَيَرْجِعُ فِيهِ الْعَامَّةُ إلَيْهِمْ ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ عَمَلًا ، فَإِنْ اقْتَضَى عِلْمًا ، وَكَانَ فِي الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يُرَدَّ ، وَإِلَّا رُدَّ ، سَوَاءٌ اقْتَضَى مَعَ الْعِلْمِ عَمَلًا أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ مِنْهُ ، فَالْعِلْمُ مَعَ عَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ لَكِنْ لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَدَ بِذَلِكَ إيجَابَ الْعِلْمِ عَلَى مَنْ شَافَهَهُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ، وَمِنْ هَذَا إثْبَاتُ الْقِرَاءَةِ عَبْرَ الْآحَادِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحُكْمِ وَهُوَ الْعَمَلُ ، لَا الْقُرْآنُ . وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ : إذَا لَمْ يَجِدْ مُعْتَصِمًا مَقْطُوعًا بِهِ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يُقْطَعُ بِرَدِّهِ ، وَمِثَالُهُ إذَا وَرَدَ فَقَبِلَهُ بَعْضُهُمْ ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَصٌّ لِلرَّدِّ ، وَلَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي الْقَبُولِ ، قُطِعَ بِرَدِّهِ ; لِأَنَّ مُعْتَمَدَنَا فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْإِجْمَاعُ ، فَحَيْثُ لَا نَجِدُ قَاطِعًا لَا نَحْكُمُ بِالْعَمَلِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَاَلَّذِي أَرَاهُ : يَلْتَحِقُ بِالْمُجْتَهِدَاتِ ، وَتَعَيَّنَ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ فِيهِ الْجَرَيَانُ عَلَى اجْتِهَادِهِ ; لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ أَحَادِيثَ قَبِلَهَا بَعْضُهُمْ ، وَتَوَقَّفَ فِيهَا آخَرُونَ ، ثُمَّ كَانَ الْعَامِلُونَ لَا يُعَابُونَ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَلِ بِهِ عَدَمُ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ ، بَلْ يَجُوزُ إنْ عَارَضَهُ الْقِيَاسُ إذَا تَبَايَنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ . فَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّمَاتُ الْقِيَاسِ قَطْعِيَّةً قُدِّمَ الْقِيَاسُ قَطْعًا ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ظَنِّيَّةً قُدِّمَ الْخَبَرُ قَطْعًا لِقِلَّةِ مُقَدَّمَاتِهِ ، وَحَكَى الْآمِدِيُّ فِيهِ الْخِلَافَ ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْبَعْضُ قَطْعِيًّا وَالْبَعْضُ ظَنِّيًّا ، قُدِّمَ الْخَبَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَقَالَ : إنَّهُ الْأَصَحُّ وَالْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ ، فَقَالَ : لَيْسَ لِأَحَدٍ ، وَهَذَا رَأْيٌ ، وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ هَلْ يَأْخُذُ بِهِ ؟ فَقَرَأَ : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } الْآيَةَ . وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيّ ، وَأَبُو الْفَرَجِ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى ، وَقَالُوا : إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ : إنْ كَانَ الرَّاوِي ضَابِطًا عَالِمًا قُدِّمَ خَبَرُهُ ، وَإِلَّا كَانَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ . وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رَدِّ الْخَبَرِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لَا أَرَى ثُبُوتَهُ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ يَعِمَنْ : لَا خِلَافَ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ . وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَارَةُ الْقِيَاسِ أَقْوَى ، وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا ، وَإِلَّا فَالْعَكْسُ ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي إفَادَةِ الظَّنِّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ : لَمْ أَجِدْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَظْنُونٌ مِنْ وَجْهٍ ، وَلَوْ صَارَ إلَيْهِ صَائِرٌ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا . قُلْت : وَقَدْ صَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي فِيمَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ . قَالَ إلْكِيَا : لَكِنَّ الْجُمْهُورَ قَدَّمُوا خَبَرَ الضَّابِطِ عَلَى الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ عُرْضَةُ الزَّلَلِ ، وَالْوَجْهُ التَّعَلُّقُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ تَرْكُ الرَّأْيِ لِلْخَبَرِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ لِلْحَدِيثِ . . . أَبُو بَكْرٍ حُكْمًا حَكَمَهُ بِرَأْيِهِ لِحَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ بِلَالٍ ، وَمِنْ هَذَا قَدَّمْنَا رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُصَرَّاةِ وَالْعَرَايَا عَلَى الْقِيَاسِ . قَالَ : الْعَجَبُ مِنْهُمْ فِي رَدِّهِ مَعَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ رَوَاهُ ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الرَّاوِي إذَا كَانَ فَقِيهًا كَابْنِ مَسْعُودٍ قُبِلَ حَدِيثُهُ ، سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَمْ لَا ، وَلَا يَضُرُّهُ عَمَلُ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِهِ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْبَعْضِ لَيْسَ حُجَّةً خِلَافًا لِقَوْمٍ ، لَكِنَّ قَوْلَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ ، فَتُقَدَّمُ عِنْدَ التَّعَارُضِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا عَارَضَ خَبَرُ الْوَاحِدِ خَبَرًا آخَرَ مِثْلَهُ مُعْتَضِدًا بِعَمَلِ الْأَكْثَرِ قُدِّمَ عَلَى الْآخَرِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ عَمَلُ الْأَكْثَرِ ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ : ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ يَتَكَرَّرُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ كَالصَّلَاةِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَقْبَلَهُ الْأَكَابِرُ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَإِذَا رَأَيْنَاهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ وَلَا يُخَالِفُونَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَتْرُوكٌ ، قَالَ : وَهَذَا مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، حَتَّى يَقُومَ مُعَارِضٌ مِنْ نَسْخٍ أَوْ تَأْوِيلٍ ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْأَكَابِرَ مِنْهُمْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَشْيَاءُ . مَسْأَلَةٌ : قَالَ ابْنُ فُورَكٍ : وَلَا يُرَدُّ بِأَنْ يَفْعَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِهِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَافِيًا لِمَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ إثْبَاتَهُ فَيُرَدُّ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية