الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      مسألة من قلد بعض الأئمة ثم ارتفع قليلا إلى درجة الفهم والاستبصار ، فإذا رأى حديثا محتجا به يخالف رأي إمامه وقال به قوم ، فهل له الاجتهاد ؟ وفي [ ص: 344 ] ذلك أطلق إلكيا الطبري ، وابن برهان في الوجيز " أنه يجب عليه الأخذ بالحديث ، لأنه مذهب الشافعي ، فقد قال : إذا رأيتم قولي بخلاف قول النبي عليه الصلاة والسلام ، فخذوا به ، ودعوا قولي . وقال القرافي : قد اعتمد كثير من فقهاء الشافعية على هذا ، وهو غلط ، فإنه لا بد من انتفاء المعارض ، والعلم بعدم المعارض يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة ، حتى يحسن أن يقال : لا معارض لهذا الحديث ، أما استقراء غير المجتهد المطلق ، فلا عبرة به ، وهذا الذي قاله القرافي تحجير ، وما يريد ب " انتفاء " المعارض إن كان في نفس الأمر فباطل .

                                                      أما على قول المصوبة فباطل وأما على قول " أن المصيب واحد " فلأنه غير مأمور بما في نفس الأمر بل بما أدى إليه اجتهاده ، وإن كان المراد به في نظر المجتهد ، فكذلك أيضا ، لأن مثل هذا القول إذا كان له الحكم المؤدي إليه اجتهاده دليل ، ثم يقول : " إذا صح حديث أقوى مما عندي ، فذلك مذهبي ، فخذوا به ، واتركوا قولي " فكيف يصح هذا مع عدم المعارض ؟ ، قال ابن الصلاح : وقد عمل بهذا جمع من الأصحاب ، كالبويطي والداركي ، وغيرهما من الأصحاب ، وليس هذا بالهين ، فليس كل فقيه يسوغ أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من المذهب ، وقد عمل أبو الوليد بن الجارود بحديث تركه الشافعي ، وأجاب عنه ، وهو حديث { أفطر الحاجم والمحجوم } ، وعن ابن خزيمة أنه قيل له : هل تعرف سنة للرسول في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه ؟ قال : لا . قال أبو عمرو : وعند هذا نقول : إن كان فيه آلات الاجتهاد مطلقا ، أو في ذلك الباب ، أو في تلك المسألة ، كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث ، وإن لم تكتمل آلته ، ووجد في قلبه حزازة من الحديث ، ولم يجد له معارضا بعد البحث ، فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل فله التمذهب به ، ويكون ذلك عذرا له في ترك قول إمامه ، وقال أبو زكريا النووي [ ص: 345 ] إنما يكون هذا لمن له رتبة الاجتهاد في المذهب ، أو قريب منه ، وشرطه أن يغلب على ظنه ، أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث ، أو لم يعلم صحته ، وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ، ونحوها من كتب أصحاب الآخذين عنه ، وهذا شرط صعب ، قل من يتصف به .

                                                      وقال ابن الزملكاني : إن كانت له قوة للاستنباط ، لمعرفته بالقواعد ، وكيفية استثمار الأحكام من الأدلة الشرعية ، ثم استقل بالمنقول ، بحيث عرف ما في المسألة من إجماع أو اختلاف ، وجمع الأحاديث التي فيها ، والأدلة ، ورجحان العمل ببعضها ، فهذا هو المجتهد في الجزئي ، والمتجه أنه يجب عليه العمل بما قام عنده على الدليل ، ولا يسوغ له التقليد . وإذا تأمل الباحث عن حال الأئمة المنقول أقاويلهم ، وعدوا من أهل الاجتهاد ، ثم أنهم إنما عدوا لذلك لاستجماعهم شروط الاجتهاد الكلية المشتركة بين جميع المسائل ، وأحاطوا بأدلة جملة غالب من الأحكام ، وقد علم من حال جمع منهم في بعض المسائل عدم الاطلاع على ما ورد في تلك المسألة ، ومنهم من يعلق القول على صحة حديث لم يكن قد صح عنده ، ومنهم من يقول : إن صح هذا الحديث ، كذا ، وإن صح قلت به ، ثم يجد تلك الزيادة قد صحت ، وهذا الحديث المعلق عليه قد صح ، أو يعلل رد الحديث بعلة ظهرت له يظهر انتفاؤها ، ومثل ذلك في قول الأئمة كثير ، ولا سيما من كثر أخذه بالرأي وترجيح الأقيسة .

                                                      فإذا كان هذا الموصوف يقلد الإمام في مسائل يسوغ له التقليد فيها ، وقع له في مسألة هذه الأهلية ، تعين عليه الرجوع إلى الدليل والعمل به ، وامتنع عليه التقليد ، وأما من لم يبلغ هذه الدرجة ، بل له أهلية النظر والترجيح ، وفيه قصور عن جميع أهلية الاجتهاد المشتركة ، ولكن جمع أدلة تلك المسائل كلها ، وعرف مذهب العلماء فيها ، لهذا لا يتعين عليه العمل بقول إمامه ، ولا بهذا الدليل ، بل يجوز له التقليد ، وينبغي له تقليد من [ ص: 346 ] الحديث في جانبه إذا لم يعلم اطلاع إمامه عليه وتركه لعلة فيه ، أو لوجود أقوى منه . أما إن كان قد جمع أهلية الاجتهاد المشتركة بين جميع المسائل ، ولم يجمع أدلة هذه المسائل ، بل رأى فيها حديثا يقوم بمثله الحجة فهذا له أحوال : أحدها : أن يعلم حجة إمامه ، كمخالفة مالك لعمل أهل المدينة على خلافه ، فإن كان ممن يعتقد رجحان مذهب إمامه بطريقه فليعمل بقوله ، وهو أولى ، وإن لم يتعين . الثانية : أن يعلم إجمالا ، أن لإمامه أو لمن خالف العمل بهذا الحديث أدلة ، يجوز معها المخالفة أو يقوى ، فلا يتعين عليه ، بل لا يترجح مخالفة إمامه ، وله تقليد القائل بالحديث من المجتهدين .

                                                      الثالثة : أن لا يعلم الحجة المقتضية لمخالفة الحديث إجمالا ولا تفصيلا ، ولكن يجوز أن يكون للمخالف حجة تسوغ معها المخالفة ، وأن لا يكون لكونه لم يجمع أدلة تلك المسألة نقلا واستدلالا ، فالأولى بهذا تتبع المآخذ ، فإذا لم يتبين له ما يعارض الحديث من أدلة القرآن والسنة ، فالعمل بالحديث أولى تقليدا لمن عمل به ، وله البقاء على تقليد إمامه . ويدل لهذا ما استقرئ من أصول الصحابة ومقلديهم ، فإنهم لم ينكروا على من استفتاهم في مسألة ، وسأل غيرهم عن أخرى ، أمر بالعود إلى من قلد قبل ذلك .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية