الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      مسألة قول العالم في المسألة بقولين مختلفين ، قال ابن السمعاني : لا يعلم [ ص: 132 ] قبل الشافعي به تصريحا وهو - رحمه الله - قد ابتكر هذه العبارة وذكرها في كتبه ، وقد أنكر عليه كثير من مخالفيه ونسبوه إلى الخطأ وقالوا : هذا دليل على نقصان الآلة ، وقلة المعرفة ، فقالوا : وأما الرواية عن أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما ، فذلك في حالتين مختلفتين ، والمجتهد قد يجتهد في مجتهد في وقت فيؤدي اجتهاده إلى شيء ، ثم يجتهد في وقت آخر فيؤدي إلى خلافه ، إلا أن الثاني يكون عن الأول ، وإنما المستنكر اعتقاده قولين مختلفين في وقت واحد ، في حادثة واحدة فهذا طعن المخالفين في القولين ، قال : وقد صنف بعضهم في ذلك تصنيفا ، ورأيت لأبي عبد الله البصري الملقب بجعل في هذا كتابا مفردا صنفه للمعروف بالصاحب ، وهو إسماعيل بن عباد ، أي في إنكار ذلك على الشافعي رضي الله عنه .

                                                      وقد قسم أصحابنا القولين تقسيما بينوا فيه فساد هذا الاعتراض ، وأن الذي قاله الشافعي ليس هو موضع الإنكار ثم ذكر كلام الماوردي الآتي واعلم أن الكلام في مسألة القولين في موضعين : ( أحدهما ) : ما طعن به على الشافعي ( والثاني ) : في كيفية إضافتهما إليه أما الأول فأجاب الأصحاب بأنه لا عيب فيه ، بل فيه دلالة على صحة قريحته ، وتبحره في الشريعة ، مع التنبيه على النظر في المأخذ ، ومعرفة أصول الحوادث ، وتعليمهم طرق الاستنباط ، وقال سليم الرازي : أنكر جماعة القولين ، وقالوا : إنما يسوغ ذلك على القول بأن كل مجتهد مصيب ، وأما [ ص: 133 ] على قوله : إن المصيب واحد فلا ، وقال المحققون : بل لمخرجها طرق فذكرها وقال ابن كج ، وابن فورك ، وغيرهما من قدماء الأصحاب : المستنكر اعتقادهما معا في حالة واحدة ، كما يستحيل كون الشيء على ضدين من الحدوث والقدم ، والوجود والعدم ، ومعلوم أن هذا ليس كذلك ، بل لقوله مخارج ثلاثة : ( أحدها ) : اعتقاده القطع ببطلان ما عدا ذين القولين ، وقد يكون واقفا فيهما ، وقد أجمعت الصحابة على قولين ولم ينكر عليهم ( ثانيها ) : أن يختلف قوله لتعارض الدليلين ، كقول عثمان رضي الله عنه : أحلتهما آية وحرمتهما آية ( ثالثها ) : أن يقوله على طريق التخيير لتساوي الدليلين عنده من جميع الوجوه بناء على أن كل مجتهد مصيب ، وهو كما عمل عمر في الشورى ، جعل الأمر بين ستة وحكى إمام الحرمين الاعتذار ( الأول ) عن أبي إسحاق المروزي ، وزيفه بأن الشافعي لا يقطع بتخطئة مخالفه ، ومن تدبر أصوله عرف ذلك ، وحكى ( الثالث ) عن القاضي ، وقال : إنه بناه على اعتقاده أن مذهب الشافعي تصويب المجتهدين ، وليس كذلك بل مذهبه أن المصيب واحد ، ثم لا يمكن التخيير فيما إذا كان أحد القولين تحريما والآخر تحليلا ، إذ يستحيل التخيير بين حرام ومباح قال : وعندي أنه حيث نص على قولين في موضع واحد ، فليس له فيها مذهب ، وإنما ذكر القولين لتردده فيهما ، وعدم اختياره لأحدهما ، ولا يكون ذلك خطأ منه ، بل يدل على علو رتبة الرجل ، وتوسعه في العلم وعمله بطرق الأشباه فإن قيل : فلا معنى لقولكم : للشافعي قولان إذ ليس [ ص: 134 ] له على هذه المسائل قول ولا قولان ، قلنا هكذا نقول ولا نتحاشى منه وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي هو ذكره لهما ، واستقصاؤه وجوه الأشباه فيهما ، هذا أسدها وأوضحها .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية