الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المزارعة على قول من يجيزها في النصف والثلث

ولو دفع بذرا إلى صاحب الأرض على أن يزرعه في أرضه على أن الخارج بينهما نصفان فهو فاسد ، وهذه مسألة دفع البذر مزارعة ، وقد بينا قول أبي يوسف - رحمه الله - وحكم هذه المسألة على ظاهر الرواية نفي الإشكال في أنه أوجب لصاحب الأرض أجر مثل أرضه ، ولم يسلم الأرض إلى صاحب البذر فكيف يستوجب عليه أجر مثله ؟ ، ولكنا نقول صارت منفعته ومنفعة الأرض حكما كلها مسلمة إلى صاحب البذر لسلامة الخارج له حكما ، وكذلك إن لم تخرج الأرض شيئا ; لأن عمل العامل بأمره في إلقاء البذر كعمله بنفسه فيستوجب عليه أجر المثل في الوجهين جميعا ، وإن قالا على أن الخارج لصاحب البذر فهو جائز ، وصاحب البذر معين له في العمل معير لأرضه لأنه ما شرط بإزاء منافعه ومنافع أرضه عوضا فيكون متبرعا بذلك كله ، وإن قال ازرعه لي في أرضك على أن الخارج لك لم يجز ; لأنه نص على استئجار الأرض والعامل بجميع الخارج حين قال : ازرعه لي في أرضك ، والخارج كله لصاحب البذر وعليه للعامل أجر مثل أرضه وعمله ، وإن قال ازرعه في أرضك لنفسك على أن الخارج لي لم يجز ; لأن قوله ازرعه لنفسك تنصيص على إقراض البذر منه ، ثم شرط جميع الخارج لنفسه عوضا عما أقرضه وهذا شرط فاسد ; لأن القرض مضمون بالمثل شرعا ، ولكن [ ص: 25 ] القرض لا يبطل بالشرط الفاسد ، والخارج كله لرب الأرض ، وعليه مثل ذلك البذر لصاحبه ، ولو دفع إليه الأرض على أن يزرع ببذره وبقره ، ويعمل فيها معه هذا الأجنبي لم يجز ذلك فيما بينهما وبين الأجنبي ، وهو فيما بينهما جائز ، وثلث الخارج لصاحب الأرض وثلثاه لصاحب البذر ; لأن صاحب البذر استأجر بثلث الخارج وذلك فاسد ، كما لو كانت الأرض مملوكة له ، وهذا فيما بينهما في معنى اشتراط عمل رب الأرض مع العامل ولكنهما عقدان مختلفان ، أحد العقدين على منفعة الأرض ، والآخر على منفعة العامل ، فالمفسد في أحدهما لا يفسد الآخر ، فلهذا كان لصاحب الأرض ثلث الخارج والباقي كله لصاحب البذر وعليه أجر مثل الرجل الذي عمل معه ، وقد أجاب بعد هذا في نظير هذه المسألة فقال : يفسد العقد كله وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع فإنه قال هناك : على أن يعمل معه الرجل الآخر فبهذا اللفظ يصير العقد الفاسد مشروطا في العقد الذي جرى بين صاحب الأرض وبين صاحب البذر فيفسد كله ، وهنا قال ويعمل معه الرجل الآخر والواو للعطف لا للشرط ، فقد جعل العقد الفاسد معطوفا على العقد الصحيح لا مشروطا فيه ، فلهذا لم يفسد العقد بين صاحب الأرض وصاحب البذر ، ولو كان البذر من قبل رب الأرض كانت المزارعة جائزة ، والخارج أثلاثا كما اشترطوا ; لأن صاحب الأرض والبذر استأجر عاملين وشرط لكل واحد منهما ثلث الخارج وذلك صحيح والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث