الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطرف الثاني في طريق تصحيح مسائل الوصية بالأجزاء

جزء التالي صفحة
السابق

الطرف الثاني : في طريق تصحيح مسائل الوصية بالأجزاء .

فإذا أوصى من له ورثة بجزء شائع ، وأردنا قسمة التركة بين الورثة والموصى له ، فإما أن يوصي بالثلث فما دونه ، وإما بأكثر .

القسم الأول : إذا أوصى بالثلث فما دونه ، فله حالان .

أحدهما : أن تكون الوصية بجزء واحد ، فتصحح مسألة الميراث عائلة أو غير عائلة ، وينظر في مخرج جزء الوصية ، ويخرج منه جزء الوصية .

ثم إن انقسم الباقي على مسألة الورثة ، صحت المسألتان ، وذلك كمن أوصى بربع ماله ، وترك ثلاثة بنين فمخرج جزء الوصية أربعة ، والباقي بعد إخراج الربع ينقسم على البنين ، وإن لم ينقسم ، فلك طريقان .

أحدهما : أن تنظر في الباقي وفي مسألة الورثة ، فإن تباينا ، ضربت مسألة الورثة في مخرج الوصية ، وإن توافقا ، ضربت وفق مسألة الورثة في مخرج الوصية ، فما بلغ صحت منه القسمة .

ثم من له شيء من مخرج الوصية ، أخذه مضروبا فيما ضربته في مخرج الوصية ، ومن له شيء من مسألة الورثة ، أخذه مضروبا [ ص: 215 ] فيما بقي من مخرج الوصية بعد إخراج جزء الوصية إن كان الباقي مع مسألة الورثة متباينين .

وإن كانا متوافقين ، ففي وفق الباقي .

الطريق الثاني : أن تنسب جزء الوصية إلى الباقي من مخرجها بعد الجزء ، وتزيد مثل تلك النسبة على مسألة الورثة ، فما بلغ فمنه القسمة .

فإن كان فيه كسر ، ضربته في مخرج الكسر ، فما بلغ ، صحت منه القسمة .

مثاله : ثلاثة بنين ، أوصى بثلث ماله ، مسألة الورثة من ثلاثة ، ومخرج الوصية أيضا ثلاثة ، والباقي بعد جزء الوصية اثنان لا ينقسمان على ثلاثة .

فعلى الطريق الأول : تضرب ثلاثة في مخرج الوصية ، تبلغ تسعة منها القسمة ، كان للموصى له سهم يأخذه مضروبا في الثلاثة المضروبة في مخرج الوصية ، ولكل ابن سهم من مسألة الورثة مضروب في الباقي من مخرج الوصية بعد إخراج جزء الوصية وهو اثنان .

وعلى الطريق الثاني تقول : جزء الوصية نصف الباقي من مخرجها ، فتزيد على مسألة الورثة ، نصفها تكون أربعة ونصفا ، تبسطها أنصافا تبلغ تسعة .

أبوان وخمس بنات ، وأوصى بخمس ماله ، مسألة الورثة من ستة ، وتصح من ثلاثين ، ومخرج جزء الوصية خمسة ، والباقي بعد إخراج جزء الوصية أربعة لا تصح على الثلاثين .

فعلى الطريق الأول ، هما متوافقان بالنصف ، فتضرب نصف مسألة الورثة وهو خمسة عشر في مخرج الوصية ، تبلغ خمسة وسبعين ، كان للموصى له سهم يأخذه مضروبا في خمسة عشر ، ولكل واحد من الأبوين خمسة في نصف الأربعة تكون عشرة ، ولكل بنت أربعة في اثنين ثمانية .

وعلى الثاني تقول : الجزء المخرج مثل ربع الباقي ، فتزيد على الثلاثين ربعها وتبسطها أنصافا ، تبلغ خمسة وسبعين .

ابنان وبنتان ، وأوصى بالثلث ، مسألة الورثة من ستة ، والوصية من ثلثه ، والباقي بعد جزء الوصية لا ينقسم على ستة .

[ ص: 216 ] فعلى الطريق الأول : يتوافقان بالنصف ، فتضرب نصف الستة في مخرج الوصية ، تبلغ تسعة ، للموصى له سهم في ثلاثة ، ولكل ابن سهمان في واحد .

وعلى الثاني تقول : جزء الوصية نصف الباقي من مخرجها ، فتزيد على مسألة الورثة نصفها تكون تسعة .

الحال الثاني : أن تكون الوصية بجزءين فصاعدا ، فيؤخذ مخرج الجزءين بالطريق المذكور في أصول مسائل الفرائض ، ثم العمل على ما تبين في الحال الأول .

مثاله : أبوان ، وأوصى بثمن ماله لزيد ، وبخمسه لعمرو ، مسألة الورثة من ثلاثة ، ومخرج الجزءين أربعون .

لزيد خمسة ، ولعمرو ثمانية ، ويبقى سبعة وعشرون تصح على ثلاثة بنين .

وأوصى بربع ماله لزيد ، وبنصف سدسه لعمرو ، مسألة الورثة ثلاثة ، ومخرج الوصيتين اثنا عشر ، ومجموع الجزءين أربعة ، إذا أخرجناها ، يبقى ثمانية لا تصح على ثلاثة .

فعلى الطريق الأول : لا موافقة ، فتضرب ثلاثة في اثني عشر ، فتبلغ ستة وثلاثين منها تصح .

وعلى الثاني : الخارج بالوصيتين ، نصف الباقي من مخرجهما ، فتزيد على مسألة الورثة نصفها ، تبلغ أربعة ونصفا ، تبسطها أنصافا تكون تسعة ، لكن نصيب الموصى لهما من مخرج الوصيتين أربعة ، وحصتهما من التسعة ثلاثة لا تنقسم على أربعة ، فتضرب أربعة في تسعة ، تبلغ ستة وثلاثين .

ولو كانت البنون ستة ، والوصيتان بحالهما .

فعلى الطريق الأول ، تبقى ثمانية لا تصح على ستة ، لكن توافق بالنصف ، فتضرب نصف الستة في اثني عشر ، تبلغ ستة وثلاثين .

والطريق الثاني : كما سبق .

القسم الثاني : إذا أوصى بأكثر من الثلث ، فينظر إن كانت الوصية لشخص أو جماعة يشتركون فيه ، إما بجزء ، كالنصف ، وإما بجزءين كالنصف والربع ، [ ص: 217 ] فمدار المسألة على إجازة الورثة وردهم ، وقد سبق بيان الحكم والحساب .

وإن أوصى لشخص بجزء ولآخر بجزء ، فإن أجاز الورثة ، أعطي كل واحد ما سمي له ، وقسم الباقي بين الورثة .

وطريق القسمة ما سبق في القسم الأول .

وإن ردوا الزيادة على الثلث ، قسم الثلث بينهم على نسبة أنصبائهم بتقدير الإجازة ، وسواء زاد الجزء الواحد ، كالنصف والثلث ، أو لم يزد واحد منهما ، كالربع والثلث .

مثاله : أبوان وابنان ، وأوصى لزيد بنصف ماله ، ولعمرو بثلثه ، وأجازوهما ، فمسألة الورثة ستة ، وكذا مخرج الوصيتين ، والباقي بعد جزأي الوصيتين لا ينقسم على ستة .

فعلى الطريق الأول : تضرب الستة في مخرج الوصيتين ، تبلغ ستة وثلاثين .

وعلى الثاني نقول : جزءا الوصيتين خمسة أمثال الباقي من مخرجهما ، فيزاد على مسألة الورثة خمسة أمثالها ، تبلغ ستة وثلاثين ، منها تصح القسمة .

وإن ردوا الوصيتين ، قسمنا الثلث بينهما على خمسة ; لأن نصيبهما بتقدير الإجازة خمسة من ستة .

ولذلك طريقان .

أحدهما : أن ينظر إلى ما زاد من الوصايا على الثلث ، وينقص بتلك النسبة من نصيب كل واحد من الموصى لهم ، فنسبة ما زاد هنا ثلاثة أخماس ; لأن مجموع الوصية بخمسة من ستة ، ولا خمس لمخرج الوصيتين ، فتضرب مخرج الخمس في ستة ، تبلغ ثلاثين ، منها خمسة عشر للموصى له بالنصف ، وعشرة للموصى له بالثلث ، فينقص من كل واحد ثلاثة أخماسه ، يبقى للأول ستة ، وللثاني أربعة ، والباقي عشرون للورثة .

وهذه الأنصباء متوافقة بالنصف ، فترد للاختصار إلى أنصافها ، وتقسم من خمسة عشر .

الطريق الثاني : أنا نطلب مالا لثلثه خمس ، فنضرب مخرج الثلث في مخرج الخمس ، تبلغ خمسة عشر ، للموصى له بالنصف ثلاثة ، وللآخر اثنان ، يبقى عشرة للورثة لا تنقسم على مسألتهم وهي ستة ، لكن توافقها بالنصف ، فنضرب نصف الستة في الخمسة عشر ، تبلغ خمسة وأربعين ، منها تصح القسمة .

[ ص: 218 ] فرع هذا الذي ذكرناه ، إذا لم تستغرق الوصية المال .

فإن استغرقت وأجيزت ، قسم المال بين أصحاب الوصايا .

وإن ردوا ، قسم الثلث بينهم على نسبة أنصبائهم بتقدير الإجازة .

وإن زادت الوصايا على المال ، بأن أوصى لزيد بماله كله ، ولعمرو بثلثه ، فإن أجازوا ، فقد عالت إلى أربعة ، لزيد ثلاثة ، ولعمرو سهم .

وإن ردوا ، قسم الثلث بينهم على أربعة ، وتكون قسمة الوصية من اثني عشر .

ولو أوصى لزيد بنصف ماله ، ولعمرو بثلثه ، ولبكر بربعه ، قسم المال بينهم على ثلاثة عشر سهما إن أجازوا ، وإلا ، قسم ثلثه على ثلاثة عشر .

فرع أوصى لزيد بعبد قيمته مائة ، ولعمرو بدار قيمتها ألف ، ولبكر بخمسمائة ، وكان ثلث ماله ثمانمائة ، فقد أوصى بثلثي ماله .

فإن أجازوا ، فذاك ، وإلا ، فالزائد على الثلث مثل جميع الوصايا ، فترد كل وصية إلى نصفها ، ويخص كل واحد بنصف ما عين له .

ولو أوصى لزيد بعشرة ، ولعمرو بعشرة ، ولبكر بخمسة ، وثلثه عشرون ، ولم يجيزوا ، قسمت العشرون على خمسة ، لكل واحد من الأولين ثمانية ، ولبكر أربعة .

ولو كانت بحالها وقال : قدموا بكرا على عمرو ، قال ابن الحداد : لزيد ثمانية ، ولعمرو سبعة ، ولبكر خمسة .

ولو قال : قدموا بكرا عليهما ، أعطي خمسة ، ودخل النقص عليهما بالسوية ، فيكون لكل منهما سبعة ونصف .

[ ص: 219 ] فرع : أوصى لزيد بعبد ، ولعمرو بما بقي من ثلث ماله ، اعتبر ماله عند الموت .

فإن خرج العبد من ثلثه ، دفعناه إلى زيد ، وأعطينا عمرا باقي الثلث إن بقي شيء ، وإلا ، بطلت وصية عمرو .

وإن مات العبد قبل موت الموصي ، لم يحسب من التركة ، وينظر في باقي أمواله ، فيحط من ثلثها قيمة العبد ، ويدفع باقيه إلى عمرو .

فإن لم يبق شيء ، بطلت أيضا وصيته .

وإن مات بعد موت الموصي ، حسب من التركة ، وحسبت قيمته من الثلث .

فإن بقي شيء من الثلث ، فهو لعمرو .

ولو لم يكن له مال سوى العبد ، فأوصى لزيد به ، ولعمرو بثلثه ، أو بثلث ماله ، ولم يجر لفظ يقتضي الرجوع عن الوصية الأولى .

فإن أجازوا ، قسم العبد بينهما ، لزيد ثلاثة أرباعه ، ولعمرو ربعه .

وإن لم يجيزوا ، قسم الثلث كذلك .

وإن أوصى لزيد بالعبد .

وقيمته ألف ، ولعمرو بثلث ماله ، وله ألفان سوى العبد ، فإن أجازوا ، جعل العبد بينهما أرباعا كما ذكرنا ، ولعمرو مع ربعه ثلث الألفين .

وإذا كان العبد الذي هو ثلث المال أربعة ، كان الألفان وهما ثلثاه ثمانية ، لكن [ ليس ] للثمانية ثلث ، فتضرب مخرج الثلث في اثني عشر ، تبلغ ستة وثلاثين ، العبد منها اثنا عشر ، تسعة منها لزيد ، وثلاثة منها مع ثمانية من الباقي لعمرو ، والباقي للورثة .

وإن ردوا الوصية ، قسم الثلث بينهما على عشرين ; لأن جملة سهام الوصايا عند الإجازة عشرون .

وإذا كان العبد وهو ثلث المال عشرين ، كان الجميع ستين ، لزيد تسعة من العبد ، ولعمرو ثلاثة منه وثمانية أسهم من الباقي ، كما كان في حال الإجازة ، يبقى للورثة ثمانية أسهم من العبد ، واثنان وثلاثون سهما من الباقي ، وجميع ما ذكرناه فيما إذا أجاز جميع الورثة جميع الوصايا ، أو رد جميعهم جميعها إلى الثلث .

فلو أجازوا بعضها ، أو أجاز بعضهم بعضها ، وبعضهم كلها ، أو أجاز بعضهم بعضها ، وبعضهم بعضا آخر ، أو أجاز [ ص: 220 ] بعضهم جميعها ، ورد بعضهم جميعها ، ( أو رد بعضهم جميعها ) وبعضهم بعضها ، فالطريق في هذه الأحوال أن تصحح المسألة على تقدير الإجازة المطلقة وعلى تقدير الرد المطلق .

فإن تماثلت المسألتان ، اكتفيت بإحداهما .

وإن تداخلتا ، اكتفيت بالأكثر واستغنيت عن الضرب .

وإن تباينتا ، ضربت إحداهما في الأخرى ، وإن توافقتا ، ضربت وفق إحداهما في الأخرى ، ثم يقسم المال بينهما على تقديري الإجازة والرد من ذلك العدد ، وينظر في الحاصل لكل مجيز على التقديرين ، فيكون قدر التفاوت بينهما لمن أجاز له .

مثاله : ابنان ، وأوصى لزيد بنصف ماله ، ولعمرو بثلثه ، المسألة على تقدير الإجازة من اثني عشر ، وعلى تقدير الرد من خمسة عشر ، وهما متوافقان بالثلث ، فتضرب ثلث إحداهما في الأخرى ، تبلغ ستين ، لزيد منها على تقدير الإجازة المطلقة ثلاثون ، ولعمرو عشرون ، ولكل ابن خمسة ، ولزيد على تقدير الرد المطلق اثنا عشر ، ولعمرو ثمانية ، ولكل ابن عشرون ، فالتفاوت في نصيب كل ابن خمسة عشر .

فإن أجازا وصية زيد ، فقد سامحه كل ابن بتسعة ، فيتم له ثلاثون ، ويبقى لكل ابن [ أحد ] عشر .

وإن أجازا وصية عمرو ، فقد سامحه كل ابن بستة ، فيتم له عشرون ، ولكل ابن أربعة عشر .

وإن أجاز أحدهما الوصيتين وردهما الآخر ، فقد سامح المجيز زيدا بتسعة ، وعمرا بستة ، فيكون لزيد أحد وعشرون ، ولعمرو أربعة عشر ، وللمجيز خمسة ، وللراد عشرون .

وإن أجاز أحدهما الوصيتين ، وأجاز الآخر وصية زيد ، تم لزيد ثلاثون .

وإن أجاز الآخر وصية عمرو ، تم له عشرون .

وإن أجاز أحدهما وصية زيد ، والآخر وصية عمرو ، فهذا سامح زيدا بتسعة ، وذاك سامح عمرا بستة ، فيكون لزيد أحد وعشرون ، ولمجيزه أحد عشر ، ولعمرو أربعة عشر ، ولمجيزه مثلها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث