الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الكلام على تراجيح الأقيسة

جزء التالي صفحة
السابق

الكلام على تراجيح الأقيسة . وهي إما أن تكون قطعية فيدخلها الترجيح ، وإن قلنا بتفاوت المعلوم ، وإما أن تكون ظنية فكذلك على المشهور وحكى إمام الحرمين عن القاضي أنه ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير ، وإنما الظنون على حسب الاتفاق قال : وبناه على أصله أنه ليس في مجال الظنون مطلوب ، وإذا لم يكن مطلوب فلا طريق على التعيين ، وإنما المظنون على حسب الوفاق ثم عظم الإمام النكير على القاضي وقال : هذه هفوة عظيمة ، وألزمه القول بأنه لا أصل للاجتهاد .

والحق أن القاضي لم يرد ما حكاه الإمام عنه ، كيف وقد عقد فصولا في التقريب " في تقديم بعض العلل على بعض ، فعلم أنه ليس يعني إنكار الترجيح فيها ، وإنما مراده أنه لا يقدم نوعا على نوع على الإطلاق ، بل ينبغي أن يرد الأمر في ذلك إلى ما يظنه المجتهد راجحا ، والظنون تختلف ، فإنه قد يتفق في آحاد النوع القوي شيء يتأخر عن النوع الضعيف ، وهذا صحيح ، وهو راجع إلى ما قاله الإمام عن تقديم الشبه الجلي على المعنى [ ص: 209 ] الخفي ، مع أن غالب المعنى مقدم على غالب الشبه ، وكأنه يقول : الترجيح في الأقيسة الظنية ثابت بالنسبة إلى عموم آحاد كل نوع ، لا بالنسبة إلى غالب كل نوع وأما قول الإمام : إنه بناه على أصله في أنه ليس في المجتهدات حكم معين فضعيف ، وشبهة الإمام في ذلك أنه إذا قال : لا حكم ، فكأنه قال : لا مطلوب ، فنقول : إن كان كما قلت استحال الظن ، والحكم بأن الظنون لا تقديم فيها ولا تأخير فرع وجودها نعم ، القاضي يقول : لا حكم في المجتهدات قبل الظن ، ولكن فيها مطلوب ، وهو السبب الذي يبنى على ظنه وجود الحكم ، كصحة خبر الواحد أو الظاهر أو القياس مثلا ، فيطلب المجتهد ظن وجود ذلك ، والظنون تختلف .

ويكون باعتبارات الأول - بحسب العلة قال ابن السمعاني : تعارض العلتين ضربان : ( أحدهما ) أن يتعارضا في حق مجتهدين ، فلا يوجب التعارض فسادهما ، لأن كل واحد يأخذ بما أداه إليه اجتهاده و ( الثاني ) تعارضهما في حق مجتهد واحد فيوجب التعارض فسادهما ، إلا أن يوجد ترجيح لإحداهما على الأخرى ثم إن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم ، ولا بين دليل يوجب العلم وآخر يوجب الظن ، وإنما يتعارضا المفيدان للظن ، ولا بد من ترجيح ، انتهى . فنقول : له اعتبارات : أولها - يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة .

[ ص: 210 ] على القياس المعلل بنفس الحكمة ، للإجماع من القياسين على صحة التعليل بالمظنة ، فيرجع التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة ثانيها - ترجيح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي : لأن العدم لا يكون علة إلا إذا علم اشتماله على الحكمة ، فالداعي إلى شرع الحكم في الحقيقة إنما هو الحكمة ، وإذا كانت العلة الحكمة لا ذلك العدم كان التعليل بها أولى ، وقضية هذه العلة أن يكون التعليل بالحكمة راجحا على التعليل بالوصف الوجودي الحقيقي ، لكن التعليل بالحقيقي راجح عليه من جهة كونه منضبطا ولهذا اتفقوا عليه بخلاف التعليل بالحكمة والحاجة ، فإنه غير منضبط .

ثالثها - يرجح المعلل حكمه بالوصف العدمي : على المعلل حكمه بالحكم الشرعي ، لأن التعليل بالعدمي يستدعي كونه مناسبا للحكم ، والحكم الشرعي لا يكون علة إلا بمعنى الأمارة ، والتعليل بالمناسب أولى من التعليل بالأمارة هذا اختيار صاحب المنهاج " والتحصيل " والفائق " وذكر الإمام في المسألة احتمالين بلا ترجيح أحدهما ، هذا ، والثاني عكسه ، لأن الحكم الشرعي أشبه بالوجود رابعها - يرجح المعلل بالحكم الشرعي على المعلل بغيره خامسها - يرجح المعلل بالمتعدية على المعلل بالقاصرة في قول القاضي والأستاذ أبي منصور وابن برهان وقال إمام الحرمين : إنه المشهور ، فإنه أغزر فائدة .

وقال أبو إسحاق : القاصرة متقدمة ، لأنها معتضدة بالنص ، ومال إليه في المستصفى " فقيل له : الحكم هو المعتضد دون العلة وقيل : هما [ ص: 211 ] سواء ، واختاره ابن السمعاني ، ونقله إمام الحرمين عن القاضي واختار في المنخول " أنهما إن تواردا على حكم واحد يجمع بينهما فلا ترجيح ، وإن تنافيا فلا يلتقيان ، نعم يكفي طرد المتعدية عكس القاصرة ، ولا يقاوم الطرد العكس أصلا ، وإن فرض ازدحام على حكم تقدير الاتفاق على اتحاد العلة فالمتعدية أولى ، لما ذكره القاضي والمسألة مبنية على جواز التعليل بأكثر من علة واحدة ، فإن منعناه - كما اختار إمام الحرمين وغيره - فلا تعارض ثم أورد على نفسه سؤالا مضمونه وقوع التعارض بينهما ، واستمد منه أن الشافعي رجح القاصرة ، وذلك أن الشافعي وأبا حنيفة اتفقا على أن الأمة تخير إذا عتقت تحت العبد واختلف إذا عتقت تحت الحر ونشأ اختلافهما من الاختلاف في علة الأصل ، فعند الشافعي إنما خيرت تحت العبد لفضلها حينئذ عليه بالحرية ، فلا تخير تحت الحر ، فالعلة حينئذ قاصرة ، وعند أبي حنيفة إنما خيرت لأنها ملكت نفسها فتخير تحت الحر ، لأن العلة مطردة متعدية ثم انفصل عن هذا السؤال بإبطال العلتين جميعا ، أما علة أبي حنيفة فقال القاضي : لا معنى لتعليل الخيار بتملكها نفسها ، لأنها إن ملكت مورد النكاح انفسخ فلا اختيار ، وإن ملكت غيره فهو أجنبي فلا تختار في غير ما ملكت تنبيه قد ينازع في دخول الترجيح من هذين في القياس ، لأن القاصرة لا وجود لها في غير محل النص ، ولا يخفى امتناع القياس بناء على علة يختص [ ص: 212 ] بها محلها ، فكيف صورة الترجيح ؟ .

والجواب أن نتيجة الترجيح بينهما إمكان القياس وعدم إمكانه مثاله : الثمنية والوزن في النقدين لمن رجح الوزن مرتب على ترجيحه إمكان القياس ، فترتب على ترجيح الثمنية امتناع القياس وهذه فائدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث