الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              4626 باب تقدم بر الوالدين على العبادة

                                                                                                                              وقال النووي : (باب تقديم بر الوالدين : على التطوع بالصلاة وغيرها) .

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم النووي ، ص106-108 ج16 ، المطبعة المصرية

                                                                                                                              (عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : "لم يتكلم في المهد ، إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم ، وصاحب جريج -وكان جريج رجلا عابدا ، فاتخذ صومعة ، فكان فيها . فأتته أمه وهو يصلي . فقالت : يا جريج ! فقال : يا رب ! أمي ، وصلاتي . فأقبل على صلاته . فانصرفت .

                                                                                                                              فلما كان من الغد : أتته وهو يصلي . فقالت : يا جريج ! فقال : يا رب ! أمي ، وصلاتي . فأقبل على صلاته . فانصرفت .

                                                                                                                              فلما كان من الغد : أتته وهو يصلي . فقالت : يا جريج ! فقال : أي رب ! أمي ، وصلاتي . فأقبل على صلاته . فقالت : اللهم ! لا تمته ، حتى ينظر إلى وجوه المومسات . فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته . [ ص: 47 ] وكانت امرأة بغي ، يتمثل بحسنها . فقالت : إن شئتم لأفتننه لكم . قال : فتعرضت له ، فلم يلتفت إليها . فأتت راعيا ، كان يأوي إلى صومعته ، فأمكنته من نفسها ، فوقع عليها ، فحملت . فلما ولدت ، قالت : هو من جريج- ، فأتوه فاستنزلوه ، وهدموا صومعته ، وجعلوا يضربونه . فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : زنيت بهذه البغي ، فولدت منك . فقال : أين الصبي ؟ فجاءوا به . فقال : دعوني حتى أصلي . فصلى . فلما انصرف : أتى الصبي ، فطعن في بطنه ، وقال : يا غلام ! من أبوك ؟ قال : فلان الراعي . قال : فأقبلوا على جريج يقبلونه ، ويتمسحون به . وقالوا نبني لك صومعتك : من ذهب . قال : لا . أعيدوها من طين ، كما كانت . ففعلوا .

                                                                                                                              وبينا صبي يرضع من أمه . فمر رجل راكب على دابة فارهة ، وشارة حسنة . فقالت : أمه اللهم ! اجعل ابني : مثل هذا . فترك الثدي ، وأقبل إليه ، فنظر إليه ، فقال : اللهم ! لا تجعلني مثله . ثم أقبل على ثديه ، فجعل يرتضع .

                                                                                                                              قال : فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يحكي ارتضاعه : بإصبعه السبابة في فمه ، فجعل يمصها .

                                                                                                                              قال ومروا بجارية ، وهم يضربونها ويقولون : زنيت . سرقت . وهي تقول : حسبي الله ، ونعم الوكيل . فقالت أمه : اللهم ! لا تجعل ابني مثلها . فترك الرضاع ، ونظر إليها ، فقال : اللهم ! اجعلني مثلها . فهناك تراجعا الحديث ، فقالت : حلقى ! مر رجل حسن الهيئة ، فقلت : اللهم ! اجعل ابني مثله . فقلت : اللهم ! لا تجعلني مثله . ومروا بهذه [ ص: 48 ] الأمة -وهم يضربونها ، ويقولون : زنيت . سرقت- فقلت : اللهم ! لا تجعل ابني مثلها . فقلت : اللهم ! اجعلني مثلها .

                                                                                                                              قال : إن ذاك الرجل كان جبارا . فقلت : اللهم ! لا تجعلني مثله . وإن هذه يقولون لها : زنيت (ولم تزن) ، وسرقت (ولم تسرق) . فقلت : اللهم ! اجعلني مثلها"
                                                                                                                              ) .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم ، وصاحب جريج) فذكرهم . وليس فيهم : الصبي الذي كان مع المرأة ، في حديث الساحر والراهب ، وقصة أصحاب الأخدود ، المذكور في آخر صحيح مسلم .

                                                                                                                              وجوابه : أن ذلك الصبي ، لم يكن في المهد ، بل كان أكبر من صاحب المهد . وإن كان صغيرا .

                                                                                                                              (وكان جريج رجلا عابدا ؛ فاتخذ صومعة ، فكان فيها) .

                                                                                                                              وفي رواية أخرى عنه ، عند مسلم ، بلفظ : (قال : كان جريج [ ص: 49 ] يتعبد في صومعة ، فجاءت أمه- قال حميد : فوصف لنا أبو رافع : صفة أبي هريرة لصفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أمه ، حين دقت ، كيف جعلت كفها فوق حاجبها ، ثم رفعت رأسها إليه تدعوه) .

                                                                                                                              (فأتته أمه وهو يصلي ، فقالت : يا جريج !) زاد في رواية أخرى : "أنا أمك ، كلمني . فصادفته يصلي" . (فقال : يا رب ! أمي وصلاتي . فأقبل على صلاته . فانصرفت ، فلما كان من الغد : أتته ، وهو يصلي ، فقالت : يا جريج !) أنا أمك ، فكلمني (فقال : يا رب ! أمي وصلاتي . فأقبل على صلاته . فانصرفت . فلما كان من الغد : أتته ، فقالت : يا جريج ! فقال يا رب ! أمي وصلاتي . فأقبل على صلاته . فقالت : اللهم ! لا تمته ، حتى ينظر إلى وجوه المومسات) . بضم الميم الأولى ، وكسر الثانية . أي : الزواني ، البغايا ، المتجاهرات بذلك . والواحدة : "مومسة" . وتجمع على "مياميس" .

                                                                                                                              وفي رواية : "فقالت : اللهم ! هذا جريج -وهو ابني- وإني كلمته ، فأبى أن يكلمني . فلا تمته ، حتى تريه المومسات" . قال : "ولو دعت عليه : أن يفتن ، لفتن" .

                                                                                                                              (فتذاكر بنو إسرائيل : جريجا وعبادته ، وكانت امرأة بغي ، يتمثل بحسنها) أي : يضرب بها المثل ، لانفرادها به .

                                                                                                                              [ ص: 50 ] (فقالت : إن شئتم ، لأفتننه لكم . قال : فتعرضت له ، فلم يلتفت إليها . فأتت راعيا ، كان يأوي إلى صومعته ، فأمكنته من نفسها ، فوقع عليها ، فحملت . فلما ولدت ، قالت : هو من جريج ، فأتوه فاستنزلوه ، وهدموا صومعته ، وجعلوا يضربونه) .

                                                                                                                              وفي رواية أخرى : (قال : وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره . قال : فخرجت امرأة من القرية ، فوقع عليها الراعي ، فحملت فولدت غلاما . فقيل لها : ما هذا ؟ قالت : من صاحب هذا الدير . قال : فجاءوا بفؤوسهم ، ومساحيهم . فنادوه ، فصادفوه يصلي : فلم يكلمهم . قال : فأخذوا يهدمون ديره . فلما رأى ذلك ، نزل إليهم" .

                                                                                                                              فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : زنيت بهذه البغي ، فولدت منك . فقال : أين الصبي ؟ فجاءوا به ، فقال : دعوني حتى أصلي . فصلى . فلما انصرف ، أتى الصبي ، فطعن في بطنه ، وقال : يا غلام ! من أبوك ؟ قال : فلان الراعي)
                                                                                                                              .

                                                                                                                              قد يقال : إن الزاني لا يلحقه الولد . وجوابه من وجهين ؛

                                                                                                                              أحدهما : لعله كان في شرعهم يلحقه .

                                                                                                                              والثاني : المراد : من ماء من أنت ؟ وسماه : "أبا مجازا" .

                                                                                                                              (قال : فأقبلوا على جريج ، يقبلونه ويتمسحون به . وقالوا : نبني لك صومعتك : من ذهب ، وفضة . قال : لا أعيدوها من طين ، كما [ ص: 51 ] كانت . ففعلوا) .

                                                                                                                              ولفظ الرواية الأخرى : "فجاءوا بفؤوسهم ومساحيهم ، فنادوه ، فصادفوه يصلي . فلم يكلمهم . قال : فأخذوا يهدمون ديره . فلما رأى ذلك ، نزل إليهم . فقالوا له : سل هذه . قال : فتبسم ، ثم مسح رأس الصبي . فقال : من أبوك ؟ قال : أبي راعي الضأن . فلما سمعوا ذلك منه ، قالوا : نبني ما هدمنا من ديرك : بالذهب والفضة . قال : لا . ولكن أعيدوه ترابا كما كان . ثم علاه" .

                                                                                                                              و"الصومعة" بمعنى : الدير .

                                                                                                                              و"الدير" : كنيسة منقطعة عن العمارة ، تنقطع فيها رهبان النصارى ، لتعبدهم . وهي نحو المنارة . ينقطعون فيها : عن الوصول إليهم ، والدخول عليهم .

                                                                                                                              و"فؤوس" جمع : "فأس" . وهي هذه المعروفة ، كرأس ورؤوس .

                                                                                                                              و"المساحي" : جمع "مسحاة" . وهي كالمجرفة ، إلا أنها من حديد .

                                                                                                                              ذكره الجوهري .

                                                                                                                              في هذه القصة : أنه آثر الصلاة على إجابتها ، فدعت عليه ، فاستجاب الله لها .

                                                                                                                              [ ص: 52 ] قال العلماء : هذا دليل على أنه كان الصواب في حقه : إجابتها ، لأنه كان في صلاة نفل . والاستمرار فيها : تطوع لا واجب . وإجابة الأم وبرها : واجب . وعقوقها : حرام . وكان يمكنه : أن يخفف الصلاة ، ويجيبها . ثم يعود لصلاته . فلعله خشي أنها تدعوه إلى مفارقة صومعته ، والعود إلى الدنيا ومتعلقاتها وحظوظها ، وتضعف عزمه فيما نواه وعاهد عليه .

                                                                                                                              (وبينا صبي يرضع من أمه ، فمر رجل راكب على دابة فارهة) . بالفاء : النشيطة ، الحادة ، القوية . وقد "فرهت" بضم الراء : فراهة ، وفراهية .

                                                                                                                              (وشارة حسنة) أي : هيئة جميلة ، ولباس جميل .

                                                                                                                              (فقالت أمه : اللهم ! اجعل ابني مثل هذا . فترك الثدي ، وأقبل إليه ، فنظر إليه ، فقال : اللهم ! لا تجعلني مثله . ثم أقبل على ثديه) إضافة "الثدي" إلى ضمير الصبي : باعتبار أنه يرتضع منه .

                                                                                                                              (فجعل يرتضع . قال : فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم ، وهو يحكي ارتضاعه : بإصبعه السبابة ، في فمه ، فجعل يمصها) بفتح الميم : على اللغة المشهورة . وحكي ضمها .

                                                                                                                              (قال : ومروا بجارية ، وهم يضربونها ، ويقولون : زنيت . سرقت . وهي تقول : حسبي الله ، ونعم الوكيل . فقالت أمه : اللهم لا تجعل ابني مثلها . فترك الرضاع ، ونظر إليها ، فقال : اللهم ! اجعلني مثلها . [ ص: 53 ] فهناك تراجعا الحديث) . معناه : أقبلت على الرضيع ، تحدثه . وكانت أولا لا تراه أهلا للكلام . فلما تكرر منه الكلام : علمت أنه أهل له ، فسألته وراجعته .

                                                                                                                              (فقالت : حلقى) سبق بيانه في الكتاب ، في موضعه .

                                                                                                                              قال (في مجمع البحار) : ويقال لأمر يعجب منه : "حلقى عقرى" . ومنه في قول أم الصبي الذي تكلم : "حلقى عقرى" .

                                                                                                                              (مر رجل حسن الهيئة ، فقلت : اللهم ! اجعل ابني مثله . فقلت : اللهم ! لا تجعلني مثله . ومروا بهذه الأمة -وهم يضربونها ، ويقولون : زنيت . سرقت- فقلت : اللهم ! لا تجعل ابني مثلها . فقلت : اللهم ! اجعلني مثلها . قال : إن ذاك الرجل ، كان جبارا ، فقلت اللهم ! لا تجعلني مثله . وإن هذه يقولون لها : زنيت (ولم تزن) ، وسرقت (ولم تسرق) . فقلت : اللهم ! اجعلني مثلها) أي : اللهم ! اجعلني سالما من المعاصي ، كما هي سالمة . وليس المراد : مثلها في النسبة إلى باطل ، تكون منه بريئا .

                                                                                                                              وفي هذا الحديث : فوائد كثيرة .

                                                                                                                              منها : عظم بر الوالدين ، وتأكد حق الأم ، وأن دعاءها مجاب ، وأنه إذا تعارضت الأمور : بدئ بأهمها .

                                                                                                                              [ ص: 54 ] وأن الله يجعل لأوليائه : مخارج ، عند ابتلائهم بالشدائد ، غالبا . قال تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا .

                                                                                                                              وقد يجري عليهم "الشدائد" في بعض الأوقات : زيادة في أحوالهم ، وتهذيبا لهم ، فيكون لطفا .

                                                                                                                              ومنها : استحباب الوضوء للصلاة ، عند الدعاء بالمهمات .

                                                                                                                              ومنها : أن "الوضوء ، كان معروفا ، في شرع من قبلنا . فقد ثبت في هذا الحديث ، في كتاب البخاري : "فتوضأ وصلى" . وقد حكى عياض عن بعضهم ؛ أنه زعم : اختصاصه بهذه الأمة .

                                                                                                                              ومنها : إثبات كرامات الأولياء . وهو مذهب أهل السنة ، خلافا للمعتزلة .

                                                                                                                              وفيه : أن كرامات الأولياء ، قد تقع باختيارهم وطلبهم .

                                                                                                                              قال النووي : وهذا هو الصحيح ، عند أصحابنا المتكلمين . ومنهم من قال : لا تقع باختيارهم وطلبهم .

                                                                                                                              وفيه : أن الكرامات ، قد تكون بخوارق العادات ، على جميع أنواعها . ومنعه بعضهم ، وادعى أنها : تختص بمثل إجابة دعاء ، ونحوه . وهذا غلط من قائله ، وإنكار للحس . بل الصواب : جريانها بقلب الأعيان ، وإحضار الشيء من العدم ، ونحوه .




                                                                                                                              الخدمات العلمية