الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
21260 9281 - (21767) - (5 \ 203) عن عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد، أخبره: أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن أبي: أيها المرء لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقا فلا تؤذينا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا، فاقصص عليه. قال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال: " أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ - يريد عبد الله بن أبي - قال: كذا وكذا " فقال: اعف عنه يا رسول الله،، واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه، شرق بذلك، فذاك فعل به ما رأيت. فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم".

التالي السابق


* قوله: "إكاف": - بكسر الهمزة -: هو للحمار كالسرج للفرس.

* "تحته": أي: تحت النبي صلى الله عليه وسلم.

* "فدكية ": نسبة إلى فدك - بفتحتين -: قرية تبعد عن المدينة بيومين [ ص: 11 ]

* "حتى مر": متعلق بركب.

* "أخلاط ": ناس مختلطون.

* "عبدة الأوثان ": بيان المشركين، وأما اليهود، فيحتمل العطف عليه، أو على المشركين؛ لكونهم مشركين. لقولهم: عزير ابن الله [التوبة: 30].

* "ابن أبي ": - بضم الهمزة -: رأس المنافقين.

* "ابن رواحة": - بفتح الراء -.

* "غشيت ": - بكسر الشين -.

* "عجاجة الدابة": - بفتح عين مهملة وتخفيف جيم، أي: غبارها الذي يثيره مشي الدابة.

* "خمر": - بالتشديد - أي: غطى.

* "لا تغبروا": - بتشديد الموحدة - أي: لا تثيروا الغبار.

* "فسلم. . . إلخ ": فيه جواز السلام على المختلطين، قالوا: وينوي به المسلمين.

* "فدعاهم. . . إلخ ": امتثالا لأمر التبليغ.

* "لا أحسن ": - بالنصب بلا تنوين -: اسم لا، وخبرها "من هذا"، أي:

مما تقول، ويجوز أن يتعلق الجار بأحسن، ويكون الخبر محذوفا، وحذف التنوين حينئذ لعدم انصرافه، لا لبنائه؛ لكونه شبيها بالمضاف، ويجوز رفعه على أن اسم "لا" مقدر، و "أحسن" خبرها، أي: لا شيء أحسن من هذا، أي: إنه حسن جدا، قاله استهزاء أو رياء، وقد كان يومئذ كافرا مجهرا به.

* "إن كان. . . إلخ ": يصح تعلقه بما بعده، وبما قبله [ ص: 12 ]

* "رحلك ": أي: منزلك.

* "اغشنا": - بفتح الشين المعجمة - قاله ردا لقول ذلك الفاسق، وإزالة لما عسى يعتري النبي صلى الله عليه وسلم من التعب من سماع قول الفاسق.

* "أن يتواثبوا": أي: يقوم بعضهم إلى بعض بالأذى.

* "يخفضهم": - بالتشديد -، أي: يسكتهم، أي: حتى سكتوا.

* " أي سعد ! ": كلمة " أي " للنداء.

* "أبو حباب ": - بضم وتخفيف - كنية ذلك الفاسق.

* "البحيرة": - بالتصغير -، وجاء "البحرة - بفتح فسكون - على لفظ التكبير، والمراد: القرية، والعرب تسمي القرى: البحار.

* "أن يتوجوه ": - بتشديد الواو - أي: بتاج الملك.

* "فيعصبونه": أي: فهم يعصبونه، ولذا ثبتت النون، وهو - بالتشديد -، وكأنه كان العادة عندهم أن يعصبوا الملك، وبالجملة: فهذا كناية عن جعلهم إياه ملكا.

* "شرق ": - بكسر الراء - أي: غص.

* * *




الخدمات العلمية