الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
574 [ ص: 303 ] 389 - (573) - (1 \ 77) - عن علي، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد، فبينا هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل، فتعلق بآخر، ثم تعلق رجل بآخر، حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم الأسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحتهم كلهم، فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم علي رضي الله عنه على تفيئة ذلك، فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي؟ إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية، وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة، فللأول الربع، لأنه هلك من فوقه، وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية فأبوا، أن يرضوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه القصة، فقال: " أنا أقضي بينكم " واحتبى، فقال: رجل من القوم: إن عليا قضى فينا، فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


* قوله: "عن حنش" : - بفتح مهملة ونون خفيفة - .

قوله: "قد بنوا زبية": - بضم زاي معجمة وسكون موحدة - : حفيرة تحفر للأسد والصيد، ويغطى رأسها بما يسترها ليقع فيها، والمراد ببنائها: حفرها، وتسويتها، ففي رواية أخرى: "حفروا زبية".

* "للأسد" : أي: ليقع ويسقط فيها.

* "فانتدب له" : أي: قام له أو عارضه.

* "بحربة" : - بفتح فسكون - : هي دون الرمح، عريضة النصل.

[ ص: 304 ] * "على تفية ذلك" : ضبط - بفتح مثناة من فوق وكسر فاء وتشديد ياء تحتية - ; أي: على أثره، ومقتضى كلامهم أن الأصل هو - سكون الياء التحتية، مع همزة بعدها - ، قيل: هي فعلية لامها همزة، وقيل: تفعلة، وفي "النهاية": وقد يشدد.

* "حضروا البئر" : من الحضور، وفي رواية: "ازدحموا"، ولعل البئر كان في مكان لا يقع فيه على حافرها شيء، وكان سقوط الأول بزحامهم.

* "لأنه هلك من فوقه" : أي: هلك بثقل ثلاثة من فوقه مع جرح الأسد، وقد تسبب لثقلهم عليه; حيث جرهم وتعلق بهم، إذ الثاني والثالث ما تعلق بآخر إلا بسبب تعلق الأول به، فصار هو السبب لسقوط الثلاثة عليه وثقلهم، فسقط من ديته بقدر ما تسبب له، وبالجملة: فقد مات باجتماع أربعة أسباب، الثلاثة منها ثقل ثلاثة من فوقه، والرابع جرح الأسد، وقد تسبب لثلاثة، فسقط من ديتهم بقدر ما تسبب له، وبالجملة: فقد مات باجتماع أربعة أسباب، الثلاثة منها ثقل ثلاثة من فوقه، والرابع جرح الأسد.

وقد تسبب لثلاثة، فسقط من الدية ثلاثة أرباع، وبقي ربع الدية، وهو على من تسبب; لوقوعه في البئر الذي أدى إلى جرح الأسد، وهم أهل الزحام، ثم إن تعلقه بهم وإن كان فعلا له، إلا أنه تسبب عن سقوطه في البئر الذي وجد لأجل الزحام، وقد ترتب على هذا التعلق موته وموتهم، فمن حيث إنه أدى إلى موته، يعتبر فعلا له، فيسقط من ديته بقدر ذلك، ومن حيث إنه أدى إلى موتهم، يعتبر أنه أثر لزحامهم، فيجب ديته على أهل الزحام، وعلى هذا القياس.

* قوله: "وللثاني ثلث الدية" : لأنه مات بثلاثة أسباب: ثقل اثنين فوقه،

[ ص: 305 ] وهو سبب له، وجرح الأسد المترتب على سقوطه، وأهل الزحام سبب لذلك كما قررنا، وهكذا الباقي.

وبالجملة: فهذا مبني على أن الدية توزع على أسباب الموت، ثم إن تسبب هو لشيء من الأسباب، يسقط من الدية بقدره، ثم إن أدى ذلك السبب إلى موته وموت غيره، ففي حقه تسقط الدية بقدره، وفي حق غيره ينظر منشأ هذا السبب، وكل ذلك أمر معقول، سواء أخذ به أحد، أم لا، فلا إشكال في الحديث، والله تعالى أعلم.

وفي "المجمع": حنش وثقه أبو داود، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.

وفي "التقريب": صدوق له أوهام.

قلت: فينبغي أن يكون الحديث حسنا على قواعدهم.

* * *




الخدمات العلمية