الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
169 - وقد قال أحمد في رواية الميموني: من زعم أن يداه نعماه كيف يصنع بقوله: ( خلقت بيدي ) مشددة، قال الميموني: فقلت: "وحين خلق آدم بقبضة" يعني من جميع الأرض، والقلوب بين أصبعين. وظاهر هذا منه الأخذ بظاهر الحديث.

فإن قيل: لا يجوز إطلاق ذلك عليه بل تحمل القبضة على معنى القدرة كقول القائل: فلان في قبضتي على معنى قادر عليه، وعلى هذا قوله تعالى: ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ) أي: تحت قدرته وملكه، قيل: هذا غلط لأن فيه إسقاط فائدة التخصيص بهذه القبضة لعلمنا بقدرته على جميع الأشياء، فلا معنى لإضافة القدرة إلى خلق آدم من قبضة قبضها، ولأن للقدرة أسماء أخص به من القبضة، ولأنه إن جاز أن تحمل القبضة على معنى القدرة وجب أن يحمل قوله: "ترون ربكم يوم القيامة" بمعنى ترون قدرته، [ ص: 170 ] وكذلك قوله: "خلق آدم بيده" بمعنى بقدرته. فأما قوله: ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ) فلا يمتنع أن نقول فيه ما قلناه هاهنا.

فإن قيل: يحمل ذلك على معنى إظهار فعل هو الخلق والاختراع والإحداث كما قال تعالى: ( لطمسنا على أعينهم ) وكما قال تعالى: ( اليوم نختم على أفواههم ) وليس ذلك طمسا وختما على معالجة، قيل: هذا يسقط فائدة التخصيص بآدم لأن إظهار الفعل موجود عند خلق غير آدم من سائر البشر، ولأن لذلك اسما أخص به من القبض وهو الخلق والاختراع والإحداث، ولأن هذا يوجب أن يكون قوله: ( خلقت بيدي ) على معنى إظهار فعل، وكذلك يوجب تأويل قوله: "ترون ربكم" على رؤية أفعال يظهرها، وقد أجمعنا ومثبتو الصفات على خلاف ذلك.

وأما قوله: ( لطمسنا على أعينهم نختم على أفواههم ) فإنما لم يضف ذلك إلى الصفة التي هي اليد لأنه لبس في الآية ما دل على ذلك وفي القبضة ما دل عليه من الوجه الذي ذكرنا وهو أنه مخلوق باليد من القبضة فدل على أنها قبضة باليد.

فإن قيل: تحمل القبضة على أنها لبعض الملائكة بأمر الله، كما يقال: ضرب الأمير اللص، وإنما أمر بضربه، قيل: هذا غلط، لأن الخبر يقتضي أن آدم مخلوق من القبضة، وقد ثبت أن الخالق لآدم هو الله سبحانه، فوجب أن يكون هو القابض لا غيره، ولأنه إن جاز تأويله على هذا جاز تأويل قوله: ( خلقت بيدي ) معناه بيدي بعض الملائكة. [ ص: 171 ] واعلم أنه ليس بمنكر في العقول، أن يكون الله خلق طينة آدم من أجزاء أنواع الطين، وأن الأخلاق والخلق اختلفت وتفاوتت كما تفوت أجزاء الطين، لا لأجل أن تفاوتها أوجب ذلك بل حدوثها على تلك الوجوه التي حدثت عليه بقدرة الله واختياره، لكنه جعلها علامات لربوبيته ووحدانيته.

حديث آخر

التالي السابق


الخدمات العلمية