الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإذا قتل الرجل عمدا وله ورثة صغار وكبار فللكبار أن يقتلوا القاتل قصاصا في قول أبي حنيفة رحمه الله وقال ابن أبي ليلى ليس لهم أن يقتلوه حتى يكبر الصغار ، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي ، وقول مالك كقول أبي حنيفة بناء على مذهبه ، وهو أن استيفاء القصاص باعتبار الولاية دون الوراثة ، والولاية للكبير دون الصغير ; ولهذا لم يجعل للزوج ، والزوجة ، والإخوة لأم حق استيفاء القصاص فأما عند أصحابنا فاستيفاء القصاص بطريق الخلافة إرثا ، ثم وجه قولهم إن القصاص أحد بدلي الدم فلا ينفرد الكبير باستيفائه كالدية ، بل أولى ; لأن المال يجري فيه من المساهلة في الإثبات ، والاستيفاء ما لا يجري في العقوبات ولأن هذا قصاص مشترك بين الكبير والصغير ولا ولاية للكبير على الصغير فلا يملك استيفاءه كما لو قتل عبدا مشتركا بينهما .

والدليل عليه أنهما لو كانا كبيرين وأحدهما غائب لم يكن للحاضر أن ينفرد بالاستيفاء لانعدام ولايته على الغائب فكذلك إن كان أحدهما صغيرا وهذا ; لأن الواجب قصاص واحد فإن المقتول نفس واحدة فيجب بمقابلتها قصاص واحد ويكون ذلك واجبا للمقتول بمنزلة الدية ; ولهذا إذا انقلب مالا فإنه يقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه ، ثم الورثة يخلفونه في استيفاء ما وجب له فكل واحد منهم في ذلك بمنزلة الشطر للعلة ، أو كل واحد منهما إنما يرث جزءا منه ; لأن استحقاق الميراث سهام منصوص عليها يسقط كالنصف ، والثلث ، والربع وبملك بعض القصاص لا يتمكن من استيفاء الكل ، والدليل عليه أنه لو عفا أحدهم يسقط القصاص ولو كان الواجب لكل واحد منهم قصاصا كاملا لما تعذر الاستيفاء على أحدهم بعد عفو الآخر وبالعفو ينقلب نصيب الآخر مالا وهذا الكلام يصح فيما إذا كان القصاص واجبا للمورث فمات وورثه جماعة ، والخلاف ثابت في الفصلين ولا إشكال أن هاهنا إنما يرث كل واحد بعض القصاص وأبو حنيفة استدل بما روي أن عبد الرحمن بن ملجم لما قتل عليا رضي الله عنه قتله الحسن رضي الله عنه به قصاصا ، وقد كان في أولاد علي صغار ولم ينتظر بلوغهم ، وإنما فعل ذلك بأمر علي رضي الله عنه على ما روي أنه لما بلغه أن ابن ملجم أخذ قال : للحسن إن عشت رأيت فيه رأيي ، وإن مت فاقتله . [ ص: 175 ] إن شئت وقال واضربه ضربة كما ضربني وفي رواية : وإياك ، والمثلة ، فقد { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور } ولا يقال إنما قتله ; لأنه كان مريدا مستحلا لقتل إمام المسلمين على ما روي أنه قتله ، وهو يتلو قوله تعالى { ، ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } ; لأنه ، وإن كان إمام المسلمين وكان قتله ذنبا عظيما فلا يصير به القاتل مرتدا إنما ذلك للأنبياء خاصة واستحلاله كان بالتأويل فإنه كان من جملة أهل البغي وهم يستحلون دماء أهل العدل وأموالهم ( ألا ترى ) أنه علقه عتبة فقال اقتله إن شئت ، وأخره إلى ما بعد موته ، ولو كان مرتدا لما أخر علي قتله ولا يقال قتله حد السعي في الأرض بالفساد حتى قتل إمام المسلمين ; لأن الساعي بالفساد بقتل الإمام لا يقتل قصاصا .

( ألا ترى ) أنه اعتبر المماثلة بقوله فاضربه ضربة كما ضربني ، وقد ذكر المزني عن الشافعي قال : قتل ابن ملجم عليا متأولا فأقيد به فدل أنه قتل قصاصا ولا يقال قتله بغير رضا الكبار من ورثته ، فقد قال له الحسين لا تقتله بيننا فإنا لا نجعله سواء بيننا ، وبالاتفاق عند إباء بعض الكبار ، وليس للبعض حق الاستيفاء وروي أنه مثل به مع نهي علي إياه عن المثلة فبه تبين أنه ما قتله قصاصا وهذا ; لأن الحسين رضي الله عنه إنما قال ما قال على وجه الإهانة ، والاستخفاف به لا على وجه كراهة قتله قصاصا ، والمثلة ما كانت عن قصد من الحسن ، ولكنه لما رفع السيف ; ليضربه أبقاه بيده فأصاب السيف أصابعه وبهذا لا يخرج من أن يكون قتله إياه استيفاء للقصاص ، والمعنى فيه أن حق الكبير ثابت في استيفاء جميع القصاص ، وليس في استيفائه شبهة عفو متحقق فيتمكن منه كما لو كان الوارث واحدا ، وإنما قلنا ذلك ; لأن القصاص يجب للورثة على سبيل الخلافة عن المورث فإن وجوبه بعد موت المقتول ، وقد خرج المقتول من أن يكون أهلا لوجوب الحق له بعد موته إلا أن ما يحصل فيه مقصوده من قضاء الدين وتنفيذ الوصية يجعل كالواجب له حكما ، وهو الدية فأما ما لم يحصل به مقصود المقتول فيجعله واجبا للوارث الذي هو قائم مقامه ، والمقصود بالقود تشفي الغيظ ودفع سبب الهلاك عن نفسه وذلك يحصل للوارث فعرفنا أنه يجب له لكن على سبيل الخلافة ; لأن السبب انعقد على حق الميت .

وقد خرج عن ثبوت الحكم من أن يكون أهلا للوجوب له فيجب للولي القائم مقامه كما يثبت الملك للمولى في كسب العبد إثباتا على سبيل الخلافة عن العبد ; ولهذا قلنا إذا انقلب مالا ثبت فيه حق الميت ; لأن قضاء حوائجه يحصل به ، وهو بمنزلة الموصى له بالثلث لا حق له في القصاص ، فإذا انقلب مالا يثبت حقه فيه [ ص: 176 ] وأيد ما قلنا قوله تعالى { ، فقد جعلنا لوليه سلطانا } بين أن القصاص للولي القائم مقام المقتول إذا ثبت هذا ، فنقول : القصاص لا يحتمل التجزؤ وقد ثبت سبب لا يحتمل التجزؤ فإما أن يتكامل فيه حق كل واحد منهم أو ينعدم ; لأنه لا يمكن إثباته متجزئا ولم ينعدم باتفاق فعرفنا أنه تكامل فيه حق كل واحد منهم لا على أنه تعدد القصاص في المحل ، ولكن بطريق أنه يجعل كل واحد منهم كأنه ليس معه غيره بمنزلة الأولياء في النكاح ينفرد كل واحد منهم بالتزويج كأنه ليس معه غيره .

والدليل عليه أنه لو استوفى من أحدهم القصاص فإنه لم يضمن للباقين شيئا ولا للقاتل ولو لم يكن جميع القصاص واجبا له لكان ضامنا باستيفاء الكل وهذا بخلاف ما إذا عفا أحدهم ; لأن الواجب بعد العفو المال للباقين ، والمال يحتمل التجزؤ فيظهر حكم التجزؤ عند وجوب المال وهذا ; لأنا لو أثبتنا القصاص لأحدهما بعد عفو الآخر كان من ضرورته تعدد القصاص الواجب في المحل ، وهو غير متعدد في المحل فأما قبل العفو لو قلنا كل واحد منهم يكون متمكنا من استيفائه لا يكون من ضرورته مقدر القصاص في المحل وهذا بخلاف ما إذا كان أحدهما غائبا ; لأن هناك جميع القصاص واجب للحاضر ، ولكن في استيفائه شبهة عفو موجود لجواز أن يكون الغائب عفا ، والحاضر لا يشعر به وعفو الغائب صحيح سواء علم بوجوبه أو لم يعلم ويحتمل أن يكون الغائب مات وورثه القاتل لسبب بينهما ، وإن كنا لا نعرفه فلأجل الشبهة يمتنع الاستيفاء وهذا المعنى لا يوجد عند صغر بعض الورثة ; لأن الصغير ليس من أهل العفو فإنما يتوهم عفوه بعد ما يبلغ وشبهة عفوه بتوهم اعتراضه لا تمنع استيفاء القصاص وهذا بخلاف ما إذا قتل عبدا مشتركا بين الصغير ، والكبير ; لأن السبب هناك الملك ، وهو غير متكامل لكل واحد منهما فإن ملك الرقبة يحتمل التجزؤ ; ولهذا لم يكن لأحد الموليين في الأمة ولاية تزويجها بانفراده بخلاف ما نحن فيه ، فالسبب هناك القرابة ، وهو مما لا يحتمل التجزؤ ، وكذلك هذا في قصاص كان واجبا للمورث ; لأن كل واحد استحق جزءا منه بعد موته بالنص وذكر الجزء فيما لا يحتمل الوصف بالتجزي كذكر الكل فيثبت لكل واحد منهم الكل باعتبار أن السبب لكل واحد منهم ، وهو القرابة كامل وهذا بخلاف المال فإنه لا يحتمل الوصف بالتجزي .

( ألا ترى ) أن الكبير هناك يملك استيفاء نصيبه خاصة وفي هذا الموضع لا يتمكن من استيفاء بعض القصاص ، ثم عندهما الإمام هو الولي في نصيب الصغير ; لأنه لا ولاية للأخ الكبير على الصغير في نصيبه من المال فكذلك في القصاص ، وإنما الولاية [ ص: 177 ] للإمام ، فإن شاء صالح على الدية ، وإن شاء انتظر ، وليس له أن يقتص ، وقد بينا هذا في وصي الأب فكذلك في حق القاضي ولو كان مكان الصغير معتوه ، أو مجنون ، فهو على الخلاف أيضا بخلاف ما إذا كان مغمى عليه ; لأن المغمى عليه بمنزلة الغائب ، وهو من أهل العفو ولو كان الوصي وصي الأب كان له أن يأخذ في حق الصغير مع الكبار في القول الأول أراد به قول أبي حنيفة ; لأن عنده للكبير أن يقتص ، وإن لم يكن معه وصي ، فإن كان معه وصي ، فهو أولى أما على قولهما فليس للكبير ولاية استيفاء القصاص قبل بلوغ الصغير إذا لم يكن له وصي فكذلك مع الوصي ; لأنه ليس للوصي حق استيفاء القصاص في النفس .

التالي السابق


الخدمات العلمية