الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ثم لا خلاف أن الدية في الخطأ من الإبل تجب أخماسا كما ذكره ابن مسعود ، والسن الخامس عندنا ابن مخاض وعند الشافعي ابن لبون فمذهبنا مروي عن عمر وزيد وابن مسعود رضي الله عنهم ، واحتج الشافعي بما روي { أن النبي عليه السلام قضى في الدية بمائة من إبل الصدقة } يعني من الأسنان التي تؤخذ في الصدقة ، وابن مخاض لا مدخل له في الصدقة ، ولابن اللبون مدخل قال عليه السلام { في خمس وعشرين بنت مخاض فإن لم يكن فابن لبون } .

وحجتنا في ذلك حديث حذيفة بن مالك الطائي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { دية الخطأ أخماس عشرون جذعة وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض ، عشرون ابن مخاض } وقال عليه السلام : { في النفس المؤمنة مائة من الإبل } ، واسم الإبل مطلقا يتناول أدنى ما يكون منه وابن المخاض أدنى من ابن اللبون ; ولأن الشرع جعل ابن اللبون بمنزلة بنت المخاض في الزكاة فإيجاب ابن اللبون هاهنا في معنى إيجاب أربعين من بنت المخاض ، وذلك لا يجوز بالإجماع فأما الحديث الذي رواه فالمراد إعطاء الدية من إبل الصدقة على وجه التبرع عن عاقلة القاتل لحاجتهم لا أن يكون المراد من الأسنان التي توجد في الصدقة ثم ابن المخاض يدخل في الصدقة عندنا على الوجه الذي يدخل ابن اللبون ; لأن ابن اللبون عندنا يستوفى باعتبار القيمة فكذلك ابن المخاض ، وأما في شبه العمد فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف تجب مائة من الإبل أرباعا خمسة وعشرون ابنة مخاض وخمس وعشرون بنت ابن لبون وخمسة وعشرون حقة وخمسة وعشرون جذعة ، وهو قول ابن مسعود وقال الشافعي ومحمد : تجب أثلاثا ثلاثون حقة وثلاثون جذعة ، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل وكلها خلفة ، والخلفة هي الحامل وهو قول عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري وقال علي رضي الله عنه : تجب أثلاثا ثلاثة وثلاثون حقة وثلاثة وثلاثون جذعة ، وأربعة وثلاثون خلفة .

وقال عثمان رضي الله عنه تجب أثلاثا من هذه الأسنان من كل سن ثلاثة وثلاثون واحتج محمد والشافعي لحديث النعمان بن بشير أن النبي عليه السلام قال في خطبة عام حجة الوداع [ ص: 77 ] { ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط ، والعصا فيه مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها } ، وعن عمر أنه قضى بذلك في شبه العمد وقضاؤه كان بمحضر من الصحابة وأبو حنيفة ، وأبو يوسف احتجا بحديث السائب بن يزيد { أن النبي عليه السلام قضى في الدية بمائة من الإبل أرباعا } ، ومعلوم أنه لم يرد به الخطأ ; لأنها في الخطأ تجب أخماسا فعرفنا أن المراد به شبه العمد ، وقال : { في النفس المؤمنة مائة من الإبل } ، والمراد به أدنى ما يكون منه وما قلناه أدنى ، والمعنى فيه أنه إنما تجب الدية عوضا عن المقتول ، والحامل لا يجوز أن تستحق في شيء من المعاوضات فكذلك لا تستحق في الدية لوجهين أحدهما : أن صفة الحمل لا يمكن الوقوف على حقيقتها ، والثاني : أن الجنين من وجه كالمنفصل فيكون هذا في معنى إيجاب الزيادة على المائة عددا ، وبالاتفاق صفة التغليظ ليست من حيث العدد بل من حيث السن ثم الديات تعتبر بالصدقات .

والشرع نهى عن أخذ الحوامل في الصدقات ; لأنها كرائم أموال الناس فكذلك في الديات ، وهذا ; لأن شبه العمد يجب على العاقلة بطريق الصلة منهم للقاتل بمنزلة الصدقات فأما الحديث الذي روي فلا يكاد يصح ; لأن ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع كان بمحضر من جماعة من الصحابة ولم يرو هذا الحديث إلا النعمان بن بشير وهو في ذلك الوقت كان في عداد الصبيان ، وقد خفي الحديث على كبار الصحابة حتى اختلفوا بينهم على أقاويل كما بينا ، ولم تجر المحاجة بينهم بالحديث فلو كان صحيحا لما اختلفوا مع هذا النص ، ولا احتج به بعضهم على بعض ، ومن أصل أبي حنيفة أن العام المتفق على قبوله أولى بالأخذ به من مثل هذا الخاص ، ولا خلاف أن صفة التغليظ في الدية لا تثبت إلا في أسنان الإبل ، وبه يستدل الشافعي على أن الأصل في الدية الإبل فقط ، ولكنا نقول : ما عرفنا صفة التغليظ إلا بالنص فإن الدية بدل عن المتلف ، ولا يختلف التلف بالخطأ وشبه العمد ، وإنما تثبت صفة التغليظ بما ورد به الشرع خاصة قال : وبلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جعل الدية على أهل الإبل مائة ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم ، وعلى أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الشاة ألفي شاة ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة ، والحلة : اسم لثوبين ، وبه نأخذ فنقول : الدية من الدراهم تتقدر بعشرة آلاف درهم مما تكون الفضة فيها غالبة على الغش ، وقد بينا ذلك في كتاب السرقة وقال مالك والشافعي : من الدراهم اثنا عشر ألف درهم ; لحديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال { : من سبح في كل يوم وليلة مثل ديته اثني عشر ألف تسبيحة [ ص: 78 ] فكأنما حرر رقبة من ولد إسماعيل . }

وفي كتاب عمرو بن حزم { أن النبي عليه السلام جعل الدية من الدراهم اثني عشر ألفا } ولأنه لا خلاف أنها من الدنانير ألف دينار ، وكانت قيمة كل دينار على عهد رسول الله عليه السلام اثني عشر درهما بيانه في حديث السرقة فإنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم بعدما قال : القطع في ربع دينار ، وإنما يكون ثلاثة دراهم ربع دينار إذا كانت قيمة كل درهم اثني عشر درهما .

وحجتنا في ذلك حديث دحيم { أن رجلا قطع يد رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى عليه بنصف الدية خمسة آلاف درهم } ، وقضى عمر رضي الله عنه في تقدير الدية بعشرة آلاف وقد كان بمحضر من الصحابة ولم يحتج عليه أحد منهم بحديث بخلاف ذلك فلو كان فيه حديث صحيح خلاف ما قضى به عمر لما خفي عليهم ، ولما تركوا المحاجة به ثم المقادير لا تعرف بالرأي فما نقل عن عمر من التقدير بعشرة آلاف درهم ، ومساعدة الصحابة معه على ذلك بمنزلة اتفاق جماعتهم على رواية هذا المقدار عن صاحب الشرع عليه السلام ; ولأن الدية من الدنانير ألف دينار ، وقد كانت قيمة كل دينار على عهد رسول الله عليه السلام عشرة دراهم بدليل النص المروي في نصاب السرقة حيث قال : { لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم } وقال علي رضي الله عنه حين ضجر من أصحابه : ليت لي بكل عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام صرف الدنانير بالدراهم ، ونصاب الزكاة منهما على أن قيمة كل دينار كانت عشرة دراهم ثم أبو يوسف ومحمد رحمهما الله أخذا بظاهر حديث عمر وقالا : الدية من الأصناف الستة فإن عمر رضي الله عنه جعلها من هذه الأصناف ، وقدر كل صنف منه بمقدار ومعلوم أنه ما كان يتفق القضاء بذلك كله في وقت واحد فعرفنا أن المراد بيان المقدار من كل صنف .

وأبو حنيفة قال : الدية من الإبل ، والدراهم ، والدنانير وقد اشتهرت الآثار بذلك عن رسول الله عليه السلام ، وإنما أخذ عمر من البقر ، والغنم ، والحلل في الابتداء ; لأنها كانت أموالهم فكان الأداء منها أيسر عليهم ، وأخذها بطريق التيسير عليهم فظن الراوي أن ذلك كان منه على وجه بيان التقدير للدية في هذه الأصناف فلما صارت الدواوين ، والإعطاءات جل أموالهم الدراهم ، والدنانير ، والإبل فقضى بالدية منها ثم لا مدخل للبقر ، والغنم في قيمة المتلفات أصلا فهي بمنزلة الدور ، والعبيد ، والجواري ، وهكذا كان ينبغي أن لا تدخل الإبل إلا أن الآثار اشتهرت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركنا القياس بذلك في الإبل خاصة ، وقد ذكرنا في كتاب المعاقل ما يدل على أن قول أبي حنيفة كقولهما فإنه قال : لو صالح [ ص: 79 ] الولي من الدية على أكثر من ألفي شاة أو على أكثر من مائتي بقرة أو على أكثر من مائتي حلة لا يجوز الصلح فهذا دليل على أن هذه الأصناف في الدية أصول مقدرة عنده كما هي عندهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية