الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : قال الشافعي : فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة .

                                                                                                                                            وهو صحيح .

                                                                                                                                            وهو نص الحديث ، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ، ففيها ثلاث بنات لبون ، وبه قال أبو ثور وأبو عبيد القاسم بن سلام .

                                                                                                                                            وقال حماد بن أبي سليمان ، والحكم بن عيينة : لا اعتبار بالزيادة حتى تكون خمسا ، فتبلغ مائة وخمسا وعشرين ، فيكون فيها حقتان وبنت مخاض ، فالحقتان في مائة ، وبنت [ ص: 81 ] مخاض في خمسة وعشرين . وقال مالك في رواية القاسم عنه : لا اعتبار بالزيادة حتى تكون عشرا فتبلغ مائة وثلاثين ، فيكون فيها حقتان وبنت لبون .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة وصاحباه : يستأنف الفرض بعد مائة وعشرين في كل خمس شاة ، فيكون في مائة وخمس وعشرين حقتان وشاة ، وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان ، وفي مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه ، وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه ، وفي مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض ، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق ، كقولنا ، ثم يستأنف فرض الشياه بعد ذلك .

                                                                                                                                            واستدل على ذلك برواية زهير ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فإذا زادت الإبل على المائة وعشرين استؤنفت الفريضة ، في كل خمس شاة ولرواية أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه في الكتاب الذي كتبه إلى اليمن : وفيه العقل والأسنان ونصب الزكوات ، فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمس شاة ، قالوا : ولأن الشاة فرض يتكرر قبل المائة فوجب أن يتكرر بعدها كالحقاق وبنات اللبون ، قالوا : ولأنكم إذا أوجبتم بالواحدة الزائدة على المائة وعشرين ثلاث بنات لبون لم تنفكوا من مخالفة الخبر ومخالفة أصول الزكوات ، لأنكم إن قلتم : إن ثلاث بنات لبون تجب في مائة وإحدى وعشرين فقد خالفتم الخبر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " في كل أربعين بنت لبون " وأنتم أوجبتم في كل أربعين وثلث ، وإن قلتم : إن بنات اللبون مأخوذة من مائة وعشرين وأن الواحدة الزائدة وقص لا يتعلق بها الفرض ، خالفتم أصول الزكوات ؛ لأن كل مغير للفرض في أصول الزكوات يتعلق الفرض به ، ويكون الفرض مأخوذا منه ومن المزيد عليه ، كالسادس والثلاثين والسادس والأربعين والواحد الزائد على الستين ، والدلالة عليه رواية أنس وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين ، فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة ، والدلالة في هذا الخبر من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : قوله " حقتان إلى مائة وعشرين " ، وإلى غاية وحد فوجب أن يكون الحكم بعد الحد والغاية بخلافه قبله .

                                                                                                                                            والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : " فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة " فاقتضى ظاهر هذا اللفظ أن يكون قليل الزيادة وكثيرها مغيرا للفرض على ما أبانه من وجوب بنت لبون في أربعين وحقة في خمسين ، فإن قيل : المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : " فإذا زادت على المائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة " ؛ لأن حكم الزيادة على المائة والعشرين إذا بلغت أربعين ففيها بنت لبون ، وإذا بلغت خمسين ففيها حقة ، لأنه [ ص: 82 ] أراد بذلك جملتها من الزيادة ، والمزيد عليه أن يكون في كل أربعين منها بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة ، فالجواب : أن هذا التأويل يبطل من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : انعقاد الإجماع بخلافه ، لأنه يقتضي أن يكون في مائة وستين حقتان وبنت لبون ، فالحقتان في مائة وعشرين ، وبنت اللبون في الأربعين الزائدة ، وفي المائة وسبعين ثلاث حقاق ، هذا قول قد أجمع المسلمون على خلافه ، فكان التأويل المؤدي إليه باطلا بالإجماع .

                                                                                                                                            والثاني : أن قوله صلى الله عليه وسلم " فإذا زادت " شرط ، وقوله صلى الله عليه وسلم " ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة " حكم ، والحكم راجع إلى الجملة عند وجود الشرط ، وليس له اختصاص ببعضها دون بعض ، ومما يؤيد ما ذكرناه رواية يونس بن يزيد وسفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فإذا زادت الإبل على المائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون " فكان هذا نصا يبطل كل تأويل ، ومما يدل على ذلك من طريق القياس ، هو أن الشاة أحد طرفي الإيجاب في الإبل قبل المائة ، فوجب أن لا تكون بعد المائة كالجذعة ، ولأن بنت مخاض سن لا يتكرر قبل المائة فوجب أن لا يعود بعد المائة كالجذعة ، فثبت بهذين القياسين انتفاء وجوب الشاة وبنت المخاض بعد المائة ، ثم نقول بابتداء لما ذكرنا ، ولأنها نصب مختلفة الترتيب في استفتاح الفريضة ، فوجب أن لا يعود ترتيبها الأول فيما بعد كالغنم ، ولأنا وجدنا النصب التي قبل المائة أقرب إلى فرض الغنم من النصب التي بعد المائة ، فلما لم تعد الشاة إلى النصب التي هي أقرب إليها ، فالتي لا تعود إلى النصب التي هي أبعد منها أولى ، فأما الجواب على ما استدلوا به من الخبر فمن وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : ترجيح .

                                                                                                                                            والثاني : استعمال ، فأما الترجيح بينهما وبين ما روينا من الأخبار فمن أربعة أوجه :

                                                                                                                                            أحدها : أن ما رويناه أصح إسنادا وأوثق رجالا .

                                                                                                                                            والثاني : أن به عمل الإمامان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .

                                                                                                                                            والثالث : أن خبرنا متفق على استعمال بعضه ، فالمتفق على ما استعمل منه فيما دون المائة والعشرين ، والمختلف منه فيما زاد على ذلك ، وغيرهم متفق على ترك بعضه ، مختلف في استعمال بعضه ، فما اتفق على تركه منه : إيجاب خمس شياه ، وما اختلف في استعماله منه فما زاد على المائة وعشرين .

                                                                                                                                            [ ص: 83 ] والرابع : أن خبرنا مسند ، وخبرهم يوقف مرة ويسند أخرى ، فكان خبرنا أولى . وأما الاستعمال فمن وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الذي رواه علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " استؤنفت الفريضة " وقوله " في كل خمس شاة " من قول الراوي عن علي عليه السلام ظنا منه أنه أراد بالاستئناف ابتداء الفريضة فلا يكون له حكم ، وقوله " استؤنفت الفريضة " ، يريد به استئنافها على غير ما تقدم من ترتيبها ، وهو الذي أبانه بقوله صلى الله عليه وسلم : في كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة .

                                                                                                                                            والثاني : أن المراد بقوله استؤنفت الفريضة في كل خمس شاة فإسناد من غير أعيانها كأنه ملك مائة وعشرين ثم استأنفت في حولها خمسا أو عشرا من غير بناتها ، فعليه أن يستأنف بهذا الحول ويخرج من كل خمس شاة ، وهذا الاستعمال ذكره أبو حامد ، وفيه نظر ، وأما قياسهم فلا يصح ، لأنا نقول إن الشاة قد تؤخذ بعد المائة بين الستين ، على أنا عارضناهم بمثله .

                                                                                                                                            وأما قولهم : إنكم لا تنفكون من مخالفة الخبر وأصول الزكاة : فالجواب أن مذهب الشافعي أن ثلاث بنات لبون مأخوذة من الكل ، أعني من المائة والإحدى والعشرين ، ولم يخالف الخبر لكن خصصناه ، ومذهب أبي سعيد الإصطخري ، أنها مأخوذة من مائة وعشرين ، والواحدة الزائدة عليها لا يتعلق الفرض عليها ، تمسكا بالخبر ، وليس في ذلك مخالفة للأصول ، لأنا قد وجدنا في الأصول من يغير فرض غيره ، ولا يغير فرض نفسه ، فمنهم الأخوان يغيران فرض الأم من الثلث إلى السدس ، ولا يغيران حال نفسيهما ، والعبد إذا وطئ حرة بنكاح حصنها وجعل فرضها الرجم ، ولم يغير فرض نفسه في الحد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية