الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ ص: 140 ] تنبيهات

                                                      الأول : قال الشافعي في الأم : { وأحل الله البيع } احتمالان عاما ومجملا بينته السنة ، وترددا بينهما ، ومن العام الذي أريد به الخاص ، وعاما في كل بيع إلا ما نهت عنه السنة .

                                                      وفيه سؤالان :

                                                      أحدهما : أنه قد يشكل الفرق بين الاحتمال الأخير والأول .

                                                      قال ابن التلمساني : ويمكن أن يقال في الفرق : إن الأول على تقدير أن للشارع عرفا في الأسماء ، وإذا كان للشارع عرف في البيع والصلاة والصوم فمتى ورد الاسم منه صرف إلى عرفه ، فقوله : { وأحل الله البيع } يتناول ذلك المسمى الشرعي .

                                                      ويندرج فيه كل نوع من أنواعه الشرعية ، ولا تخصيص فيه ولا استثناء ، وأما الأخير فعلى قولنا : إن الشارع لم يغير الأسماء ، وإنما استعملها في موضوعها اللغوي ، فيكون { وأحل الله البيع } أي كل ما يسمى بيعا لغة إلا ما نهي عنه على لسان نبيه عليه السلام ، أو كان في معناه فهو عام بطريق التخصيص إليه ، ثم يترجح احتمال الاستغراق في الآية ، فإنه لا يتوقف على توقفه ، وأن الإجماع على خلاف الأصل . الثاني : أن الشافعي اختلف قوله في آية البيع على أربعة أقوال ، واختلف في قوله في آية الزكاة وهي قوله : { وآتوا الزكاة } إلى قولين :

                                                      أحدهما : أنها عامة خصصتها السنة . والثاني مجملة بينتها السنة ، وهما من جهة اللفظ والتعريف بالألف واللام واحد ، لأن كل واحد منهما مفرد مشتق معرف بالألف واللام ، فإن عم من حيث اللفظ فليعم في الآيتين ، وإن عم من حيث المعنى فليعم فيهما ، وإن لم يعم من حيث [ ص: 141 ] اللفظ ولا من حيث المعنى . فليكن ذلك في الآيتين ، مع أن الصحيح في آية البيع العموم ، وفي آية الزكاة الإجمال .

                                                      والسر في ذلك أن حل البيع على وفق الأصل من حيث إن الأصل في النافع الحل ، وفي المضار الحرمة بأدلة شرعية ، فمهما حرم البيع فهو على خلاف الأصل ، وأما الزكاة فهي على خلاف الأصل لتضمنها أخذ مال الغير بغير إرادته ، فوجوبها على خلاف الأصل .

                                                      ثم الأخبار الواردة في البابين ناظرة إلى هذا المعنى ، فلذلك اعتنى عليه السلام ببيان المبيعات الفاسدة ، كالنهي عن بيع حبل الحبلة والمضامين والملامسة والمنابذة ولم يعتن ببيان المبيعات الصحيحة ، وأما في الزكاة فإنه عليه السلام اعتنى ببيان ما يجب فيه الزكاة ، ولم يعتن ببيان ما لا يجب فيه الزكاة ، فمن ادعى الزكاة في شيء مختلف فيه كالرقيق والخيل فقد ادعى حكما على خلاف الدليل ، وأما تردد الشافعي في آية البيع : هل المخصص أو المبين لها الكتاب والسنة دون الزكاة ؟ فلأنه عقب حل البيع بقوله تعالى : { وحرم الربا } والربا من أنواع البيع اللغوية ، ولم يعقب الزكاة بشيء .

                                                      الثالث : عن هذا الخلاف نشأ الخلاف في معنى الحمد ، فقال عامة [ ص: 142 ] الفقهاء : جميع المحامد لله لأن اللام للاستغراق ; وقال المعتزلة : ما يعرفه كل أحد من الحمد بحسبه فهو لله ، لأن اللام لمطلق الجنس ; ولهذا قال الزمخشري : ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من الحمد ما هو ، وما قيل من أن اللام في الحمد عند المعتزلة للعهد ، فذلك كلام بلا أساس ; لأنه لم يصح عنهم هذا النقل بل قالوا : إن اللام فيه لمطلق الجنس ، وبهذا ظهر تقرير قول الزمخشري أن الاستغراق الذي قاله كثير من الناس وهم منهم .

                                                      الرابع حكى القرافي عن الشيخ عز الدين أنه استشكل على هذه القاعدة بقول القائل " الطلاق يلزمني " فإنه لا يلزمه إلا طلقة واحدة بناء على أنه التزام أصل الطلاق ، وعلى قياس القاعدة يلزمه الثلاث ، وأجاب بأن هذا نقل عن مسماه اللغوي إلى العرف ، فنقل العرف الألف واللام عن العموم إلى حقيقة الجنس في الطلاق خاصة لدليل ، وبقي على عمومه في غير هذا الباب ، وأجاب غيره : بأن الطلاق حقيقة واحدة لا أفراد له ، ولكن له مراتب مشتركة في قطع عصمة النكاح ، فحمل على أدنى المراتب .

                                                      الخامس : قال الزمخشري في تفسير سورة الحجرات : لام الجنس تخصص جنسا من سائر الأجناس ك " لام " العهد تخصص واحدا من الآحاد ، ولا يكون تخصيص ما لم يكن عموم أو تقديره ، فتقول : إن زارك الصديق ، أي من صفته الصداقة خاصة دون العدو ، ومن ليس بصديق ولا عدو ، فإن نكرت زال هذا التخصيص ، وانقلب إلى معنى الشياع في كل [ ص: 143 ] صديق .

                                                      قال : فقولنا : رجل فاسق هو بعض من شياعه ، وليس فيه إفراز الفاسق من العدل ، ولا قصد إلى ذلك ، وإنما كان يقصد إليه لو دخلت اللام ، فإن التي تميز الجنس مما سواه ، والصفة إنما تقتضي الشياع ، والكلام في التعريف والتنكير أدق من الدقيق .

                                                      وأما المثنى فقال القرافي هو كالجمع في العموم ، ثم قال : لا يفهم العموم من إضافة التثنية في شيء من الصور سواء كان الفرد يعم أم لا فإذا قال : عبداي حران لم يتناول غيرهما ، وكذلك مالاي ، فالفهم عن العموم في التثنية بخلاف الجمع والفرد . انتهى . والإضافة والتعريف سواء ، وكلامه الأول لا يجتمع مع الثاني وسيأتي فيه مزيد في الإضافة .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية