الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      والضابط أن للجملتين المتعاطفتين أحوالا :

                                                      أحدها : أن يتضح كون الثانية مستقيمة ، وهذا لا خلاف فيه بين الفريقين . ومنه فريق لم يترجم المسألة بالعطف على العام ، هل يقتضي العموم ، فإذا عطفت جملة على أخرى ، وكانت الثانية مستقلة بنفسها ، وكانت المشاركة في أصل الحكم لا في جميع صفاته ، وقد لا يقتضي مشاركة أصلا ، وهي التي تسمى واو الاستئناف كقوله تعالى : { فإن يشأ الله يختم على قلبك ، ويمح الله الباطل ويحق الحق } فإن قوله : { ويمح الله الباطل } جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها ، ولا هي داخلة في جواب الشرط .

                                                      الثانية : أن لا يتضح استقامتها إلا بتقدير وإضمار ، وهذا موضع [ ص: 313 ] الخلاف ، فالحنفية يقدرون الأول ، ثم له حالتان ، لأنه إما أن يكون عاما فيكون المعطوف عاما أيضا ، وإما أن يكون خاصا ، فيكون خاصا وهذه الحالة عندهم تشارك الثانية الأولى في جميع ما هي عليه ، ولهذا لو قال : هذه طالق ثلاثا وهذه ، طلقت الثانية ثلاثا بخلاف ما إذا قال : هذه طالق ثلاثا ، وهذه طالق ، فلا يطلق إلا واحدة لاستقلالها ، ووافقهم ابن الحاجب . والتزم في أثناء كلام له في مختصره الأصولي أن قول القائل : ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا ، يتقيد بيوم الجمعة أيضا ، وهذا يقتضي أن عطف الجملة الناقصة عنده على الكاملة يقتضي مشاركتهما في أصل الحكم وتفاصيله ، وذكر بعض الفضلاء أنه اختيار ابن عصفور من النحويين . وأما أصحابنا الشافعية فقد اختلفوا في ذلك ، فقالوا : إذا قال : إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة ، فإن الثانية تتقيد أيضا بالشرط ، وكذا لو قدم الجزاء على الشرط ، وهو ظاهر . وقالوا فيما إذا قال : لفلان علي ألف ودرهم ونحوه أنه لا يكون الدرهم مفسرا للألف ، بل له تفسيرها بما شاء . وهو مذهب مالك . وقال الحنفية . إن كان المعطوف مكيلا أو موزونا أو معدودا فسرت الألف به ، وإن كان متقوما كالثوب والعبد بقي العدد الأول على إبهامه .

                                                      ولو قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، وأنت يا أم أولادي . قال العبادي : لا يقع عليه الطلاق ، لأنه قبل النكاح لغو ، وقد رتب طلاقها عليه فيلغو ، حكاه عنه الرافعي ، ولم ينكره ، ثم قال : ويقرب من هذا ما ذكره غيره أنه لو قال لزوجته : نساء العالمين طوالق ، وأنت يا فاطمة ، أنه لا يقع شيء ، لأنه عطف طلاقها على طلاق نسوة لا يقع طلاقهن ، وقضية هذه العلة أنه إذا عطف الطلاق على طلاق نافذ يقع

                                                      الثالثة : أن يشكل الحال ، فذهب قوم إلى أنها محتاجة إلى الإضمار ، [ ص: 314 ] وآخرون إلى أنها غير محتاجة كهذا الحديث ، فإنه عندنا تام لا يحتاج إلى تقدير ، وهم يقدرونه ، قالوا : ولو لم نقدره لكان معناه لا يقتل ذو عهد في عهده ، وحينئذ يلزم امتناع قتل المعاهد مطلقا . قلنا : لا نسلم لزومه ، وإنما يظهر امتناعه ، وحينئذ يجوز تخصيصه بدليل منفصل ، كما يجوز تخصيص قوله : " بكافر " على تقدير أن يكون هو مقدرا .

                                                      وقد ذكر القدوري في كتابه " التجريد " في الحديث تقديرين آخرين :

                                                      أحدهما : أنه لا حذف فيه . ولكنه على التقديم والتأخير ، والأصل { لا يقتل مسلم ، ولا ذو عهد في عهده بكافر } ، ثم أخر المعطوف عن الجار والمجرور ، وإذا ثبت ذلك فالكافر الذي لا يقتل به المعاهد لا يصح أن يكون من لا عهد له ، وهو الحربي ، فكذلك الكافر الذي لا يقتل به المسلم . وفيه نظر ، لأنه فر من ضرورة تقدير الحربي إلى التقديم والتأخير ، وهو خلاف الأصل أيضا ، وبأن فيه ما سبق .

                                                      الثاني : أن ذو عهد مبتدأ ، وفي عهده خبره ، والواو للحال ، أي لا يقتل مسلم بكافر ، والحال أنه ليس ذا عهد في عهده . ونحن لو فرضنا خلو الوقت عن عهد لجميع الكفار لم يقتل مسلم بكافر . قال : ومثله في المعنى ما أنشد . أبو زيد الأنصاري .

                                                      بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حيث سلت

                                                      وهذا فيه بعد ، لأن فيه إخراج الواو عن أصلها وهو العطف ، ومخالفة لرواية من روى : " ولا ذي عهد " بالخفض . إما عطفا على كافر كما يقول [ ص: 315 ] الجمهور ، وإما على مسلم كما تقوله الحنفية ، ولكنه خفض لمجاورته للمخفوض . وأيضا فإن مفهومه حينئذ أن المسلم يقتل بالكافر مطلقا ، في حالة كون ذي العهد في عهده ، وهذا لا يقوله أحد ، فإنه لا يقتل بالحربي اتفاقا .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية