الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      تنبيهات

                                                      الأول : أن الصور في المقدرات ثلاث : أحدها : أن تتساوى ، ولا يظهر في واحد منها أنه أرجح ، فهل هو عام أو مجمل ؟ قولان : أرجحهما الثاني .

                                                      ثانيهما : أن يترجح بعضها لا بدليل من خارج ، بل لكونه أقرب إلى الحقيقة ، مثل : { لا صيام لمن لم يبيت الصيام } ، { ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب } ، فأصحابنا يقدرون واحدا ، ثم يرجحون تقدير ما كان [ ص: 217 ] أقرب إلى نفي الحقيقة ، وهو الجواز مثلا ، سواء كان أعم من غيره أم لا ، والخصم يقدر الكل ، ثم إمام الحرمين يقول هنا : إن الخصم لا ينبغي له أن يقدر الكل إلا إذا لم يناف بعضها بعضا ، فإن تنافيا وارتكب تقدير الكل فقد أساء ، مثل " لا صيام " فإن تقدير الكمال ينافي تقدير الصحة ، إذ نفي الكمال منهم إثبات الصحة ، فلا يصح تقديره مع تقدير نفي الصحة معه . ووافقه على ذلك ابن السمعاني ، فقال : لا يجوز انتفاء الفضيلة مع انتفاء الجواز : لأنه لا بد من وجود الجواز ، فيتصور انتفاء الفضيلة ، وجرى على ذلك ابن دقيق العيد ، فإنه قال : والخلاف في هذا إنما يمكن فيما لا تنافي بين مضمونه .

                                                      وثالثها : أن يظهر واحد معين بدليل مستفاد من خارج ، فلا ينبغي لأحد أن يخالف هنا كما قاله ابن الحاجب ، بل يقدر ما ظهر ، فإن كان عاما فهو عام ، وإلا فلا ، فالعام كقوله : { الحج أشهر معلومات } أي وقت الحج ، والخاص كقوله : { لا هجرة بعد الفتح } أي لا تجب ، فإن الإجماع منعقد على جوازها ، وصرح القرافي بجريان الخلاف فيما إذا تعين أحدهما بدليل ، وأنه يجوز أن يقال : إنه عام ، كما يقول الشافعي في الجمع بين الحقيقة والمجاز مع أن الحقيقة قد تعينت .

                                                      الثاني : أن الأصوليين قالوا : إذا تعين للمقتضى أحد المضمرات ، كان كظهوره في اللفظ ، وردوا ادعاء الكرخي الإجمال ، فإن الذي يسبق إلى الفهم من تحريم الميتة تحريم أكلها ، ومن تحريم الأمهات تحريم وطئهن ، وإذا كان كذلك كان كالملفوظ به فلا إجمال . [ ص: 218 ] وهذا لا يستقيم على قاعدة الشافعي ، فإن تحريم الميتة عنده لا يختص بالأكل ; بل يحرم ملابستها في الصلاة وبيعها وغير ذلك ، إلا ما خرج بدليل كالجلد المدبوغ ، ولم يعده للشعر ، لأن الدباغ لا يؤثر فيه ، فنجاسته ثابتة عنده ، وهذا موافق لما أشار إليه الآمدي في قوله عليه السلام : { لعن الله اليهود } الحديث ، إلا أن يقرر ذلك بطريق أخرى ، وهو أن تحريم أكل الميتة ظاهر في نجاستها ، وإذا تنجست بالموت لزم من النجاسة بطلان البيع وعدم صحة الصلاة في شيء منها إلا ما طهر بالدباغ ، فهذه الأحكام ناشئة عن النجاسة المأخوذة من تحريم الأكل ، وليس في اللفظ إجمال ولا تكثير إضمار ، وهذا تقرير حسن .

                                                      ولم يسلك الإمام فخر الدين في تفسيره هذه الطريقة ; بل قدر إنما حرم عليكم التصرف في الميتة ، ليفيد عموم التصرف ، كالأكل والبيع والملابسات كما هو مذهب الشافعي ، وقال : إنه المتعارف من تحريم الميتة لا تحريم أكلها . وفي هذا الكلام ضعف لا يخفى ، وهو خلاف ما قرره في المحصول كما مر ، وقوله عليه السلام : { إنما حرم من الميتة أكلها } دليل انصراف تحريم الميتة إلى أكلها ، ولا يلزم منه عدم تحريم الملابسة لما مر أن تحريم الأكل ظاهر في النجاسة ، وهو معنى مناسب يصلح لترتب الحكم والنجاسة عليه للمنع بما ذكره .

                                                      والحاصل أن الكلام في هذه المسألة مفروض فيما إذا لم يقم على تعيين أحد المقدرين دليل ، أما إذا اقترن باللفظ قرينة تعينه فإنه يكون كالملفوظ به ، كما في قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } { حرمت عليكم أمهاتكم } ، فإن [ ص: 219 ] العرف قاض بأن المراد من تحريم الميتة تحريم أكلها ، ومن تحريم الأمهات تحريم وطئهن ، بخلاف نحو { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } ، فإنه لم يقم دليل يعين أن المراد بالمرفوع الحكم أو غيره .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية