الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو ) ( حلف لا يدخل دار زيد ) أو حانوته ( حنث بدخول ما يسكنها بملك ) ( لا بإعارة وإجارة وغصب ) ووصية بمنفعتها له ووقف عليه لأن الإضافة إلى من يملك تقتضي ثبوت الملك حقيقة ، ومن ثم لو قال هذه لزيد لم يقبل تفسيره بأنه يسكنها ، وخالف ابن الرفعة واعتمد تبعا لجمع الحنث بكل ما ذكر لأنه العرف الآن ، قال : فالمعتبر عرف اللافظ لا عرف اللفظ كما هو مذهب الأئمة الثلاثة ( إلا أن يريد مسكنه ) فيحنث بكل ذلك لأنه مجاز قريب ، نعم لا تقبل إرادته في هذه في حلف بطلاق أو عتق ظاهرا ، ولا يعترض ذلك بأنه مغلظ على نفسه فلم لم يقبل لأنه مخفف عليها من وجه آخر وهو عدم الحنث بما يملكه [ ص: 193 ] ولا يسكنه فيقبل ظاهرا فيما فيه تغليظ عليه دون ما فيه تخفيف له ( ويحنث بما يملكه ) كله وإن تجدد طروه له بعد حلفه ( ولا يسكنه ) إلا أن يريد مسكنه فلا يحنث به عملا بقصده ، ولو كانت الإضافة مشتهرة للتعريف كدار الأرقم بمكة وسوق يحيى ببغداد حنث بدخولها مطلقا لتعذر حمل الإضافة على الملك وفارق المتجدد هنا لا أكلم ولد فلان فإنه يحمل على الموجود دون المتجدد لأن اليمين منزلة على ما للحالف قدرة على تحصيله ولا يشكل بقول الكافي ، ولو حلف لا يمس شعر فلان فحلقه ثم مس ما نبت منه حنث لأن إخلاف الشعر معهود عادة مطردة في أقرب وقت فنزل منزلة المقدور عليه ( ولو ) ( حلف لا يدخل دار زيد أو لا يكلم عبده أو ) لا يكلم ( زوجته ) ( فباعهما ) أي الدار والعبد بيعا لازما : أي ينقل الملك ولو مع الخيار بأن كان للمشتري وحده أو لهما وأجيز البيع وبيع بعضهما وإن قل كبيعهما ( أو طلقها ) بائنا لأن الرجعية كالزوجة ( فدخل ) الدار ( وكلم ) العبد والزوجة ( لم يحنث ) تغليبا للحقيقة لزوال الملك بالبيع والزوجية بالطلاق ، ولو اشترى بعد بيعهما غيرهما فإن أطلق أو أراد أي دار أو عبد ملكه حنث بالثانية أو التقييد بالأول فلا ( إلا أن يقول داره هذه أو زوجته هذه أو عبده هذا ) أو يريد أي دار أو عبد جرى عليه ملكه أو أي امرأة جرى عليها نكاحه ( فيحنث تغليبا للإشارة على الإضافة وغلبة التسمية عليها فيما مر ) .

                                                                                                                            آنفا لأنها أقوى لأن الفهم يسبق إليها أكثر وعملا بتلك النية وألحق بالتلفظ بالإشارة نيتها ، وإنما بطل البيع في بعتك هذه الشاة فإذا هي بقرة لمراعاة الألفاظ في العقود ما أمكن ، ولو حلف لا يأكل لحم هذه السخلة فكبرت وأكله لا يحنث ، وفارقت نحو دار زيد هذه بأن الإضافة فيها عارضة فلم ينظر إليها بل بمجرد الإشارة الصادقة بالابتداء والدوام ، وفي تلك لازمة للزوم الاسم أو الصفة ، ولأن زوالها يتوقف على تغيير بعلاج [ ص: 194 ] فاعتبرت مع الإشارة وتعلقت بمجموعها ، فإذا زالت إحداهما لكونها سخلة في ذلك المكان زال المحلوف عليه ، وبهذا يعلم أنه لو زال اسم العبد بعتقه واسم الدار بجعلها مسجدا لم يحنث ، وإن أشار فالمراد بقولهم السابق تغليبا للإشارة : أي مع بقاء الاسم ( إلا أن يريد ) الحالف بقوله هذه أو هذا ( ما دام ملكه ) بالرفع والنصب فلا يحنث بدخول أو تكليم بعد زواله بملك أو طلاق لأنها إرادة قريبة ، ويأتي في قبول هذا في حلفه بطلاق أو عتق ما مر ، ولو قال ما دام في إجارته وأطلق العراب منه عرفا كما قاله الولي العراقي إنه ما دام مستحقا لمنفعته فتنحل يمينه بإيجاره ذلك لغيره ثم استئجاره منه لانقطاع الديمومة ، وأفتى فيمن حلف لا يدخل هذا ما دام فلان فيه فخرج فلان ثم دخل الحالف ثم فلان بأنه لا يحنث باستدامة مكثه لأن استدامة الدخول ليست بدخول ، ويحنث بعوده إليه وفلان فيه لبقاء اليمين إن أراد بمدة دوامه فيه ذلك الدوام وما بعده أو أطلق أخذا مما قالوه في لا رأيت منكرا إلا رفعته للقاضي فلان ، وأراد ما دام قاضيا من أنه إذا رآه بعد عزله لا يحنث ولا تنحل اليمين لأنه قد يتولى القضاء فيرفعه إليه ويبر ، فإن أراد ما دام فيه هذه المرة انحلت بخروجه ا هـ .

                                                                                                                            والفرق بين ما هنا ومسألة القاضي ظاهر لأن الديمومة ثم مربوطة بوصف مناسب للمحلوف عليه يطرأ ويزول فأنيط به وهنا بمحل وهو لا يتصور فيه ذلك فانعدمت بخروجه منه وإن عاد إليه فالمتجه في حالة الإطلاق عدم الحنث كالحالة الأخيرة

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : أو حانوته ) أي ومثلها الدكان لمرادفتها للحانوت كما في المصباح ( قوله : حنث بدخول ما يسكنها ) أي الدار ، ومثلها في ذلك الحانوت على ما أفهمه كلام الشارح ، وقوله بملك : أي لجميعها فلا حنث بالمشتركة بينه وبين غيره ( قوله : واعتمد تبعا لجمع الحنث ) ضعيف ( قوله : نعم لا تقبل إرادته ) أي ظاهرا ، وقوله في هذه : أي فيما لو حلف لا يدخل دار زيد وقال أردت مسكنه ودخل دارا يملكها ولم يسكنها أما إذا دخل ما يسكنه ولم يملكه فإنه يحنث مؤاخذة له بقوله ( قوله لأنه مخفف عليها ) [ ص: 193 ] أي على نفسه ( قوله : ويحنث بما يملكه كله ) الظاهر أنه احترز به عن المشترك ، ويحتمل أنه أراد التعميم في المملوك : أي بأي مملوك له حادثا كان أو متجددا ، ويؤيد قولنا الظاهر أنه إلخ قوله الآتي وبيع بعضهما وإن قل كبيعهما ( قوله : وإن تجدد طروه له بعد حلفه ) ظاهره ولو بغير اختياره كأن مات مورثه أو رد عليه بعيب ( قوله : فلا يحنث ) أي إن كان الحلف بالله كما قيد به فيما مر ( قوله لأن اليمين منزلة على ما للحالف ) يتأمل قوله ما للحالف فإن الظاهر ما للمضاف إليه كزيد هنا قدرة على تحصيله ( قوله : أو لا يكلم عبده ) والمراد بالتكليم أن يرفع صوته بحيث يسمعه المحلوف عليه وإن لم يسمعه أخذا من قوله الآتي وكان بحيث يسمعه وإن لم يسمعه بالفعل ( قوله : لأن الرجعية كالزوجة ) يؤخذ منه أنه لو حلف لا يبقي زوجته على عصمته أو على ذمته فطلقها طلاقا رجعيا لم يبر فيحنث بإبقائها على الطلاق الرجعي .

                                                                                                                            ( قوله : تغليبا للإشارة ) وفي نسخة على الإضافة ، وغلبت التسمية عليها فيما مر آنفا لأنها أقوى لأن الفهم يسبق إليها أكثر وعليها يتأمل قوله لما مر إلخ فإنه لم يتقدم له ذكر في كلامه ، إلا أن يقال : مراده ما في قوله لو حلف لا يدخل هذه الدار فصارت فضاء إلخ ( قوله : لمراعاة الألفاظ ) عمومه شامل [ ص: 194 ] لتبدل الذات والصفة وعليه فلو قال بعتك هذا الثوب الأبيض فإذا هو أسود لم يصح ، لكن عبارة حج في البيع تخالف ذلك حيث قال ( قوله : ما مر ) أي من عدم القبول ظاهرا ( قوله ولو قال ما دام في إجارته ) مثله ما يقع من العوام من قولهم لا أكلمه مثلا طول ما هو في هذه الدار مثلا فيبر بالخروج منها وإن قل الزمن حيث خرج على نية الترك لها أو أطلق على ما يستفاد من قوله الآتي وأفتى فيمن حلف لا يدخل هذا إلخ ( قوله : وأفتى ) أي الولي العراقي ( قوله : أو أطلق ) ضعيف .

                                                                                                                            ( قوله : انحلت بخروجه انتهى ) وفي نسخة : والفرق بين ما هنا ومسألة القاضي ظاهر لأن الديمومة مربوطة بوصف مناسب للمحلوف عليه يطرأ ويزول فأنيط به وهنا بمحل وهو لا يتصور فيه ذلك فانعدمت بخروجه منه وإن عاد إليه فالمتجه في حالة الإطلاق عدم الحنث كالحالة الأخيرة ولو حلف إلخ وهي أوضح مما في الأصل ( قوله : فالمتجه في حالة الإطلاق ) أي في مسألة القاضي ( قوله كالحالة الأخيرة ) هي قوله فإن أراد ما دام فيه هذه المرة إلخ



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : فلم لم يقبل ) ظاهر هذا مع الجواب الآتي أنه لا يقبل فيما فيه تغليظ عليه ، وليس مرادا [ ص: 193 ] كما يعلم من التفريع الآتي في قوله فيقبل ظاهرا فيما فيه تغليظ إلخ إلا أن في العبارة قلاقة ( قوله : بيعا لازما ) أي من جهته ، ومراده بلزومه ما يشمل إلزامه يدل على ذلك ما ذكره بعد ( قوله : فيما مر آنفا ) أي في قول المصنف ولو انهدمت باعتبار ما صوره به الشارح ثم ( قوله : وعملا بتلك النية ) عطف على قوله تغليبا للإشارة فالأول تعليل للمتن والمعطوف تعليل لما زاده بقوله أو يريد أي دار ( قوله : وإنما بطل البيع في بعتك هذه الشاة إلخ ) مر قريبا أن التسمية أقوى من الإشارة وهذا منه فلا حاجة به إلى جواب فتأمل ( قوله : بل لمجرد الإشارة الصادقة بالابتداء أو الدوام ) قال ابن قاسم : أي ابتداء ودواما فيما نحن فيه .

                                                                                                                            قال : وكأنه أراد حال ملكه وبعد زواله ( قوله بعلاج ) أي أو خلقة [ ص: 194 ] كما في التحفة وهو الذي يظهر فيما نحن فيه .




                                                                                                                            الخدمات العلمية