حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا السكن بن سعيد، عن عن محمد بن عباد، قال: قدم ابن الكلبي، شرحبيل بن الحارث الغساني - وكان من أهل بيت الملك - موسما من مواسم العرب، وحضرت ذلك العام فخطب بكر بن وائل، شرحبيل مية بنت عمرو بن مسعود بن عامر بن عمرو ابن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وهو أصم بني ربيعة، فقال له أبوها: هي لك وقومها بيدك، فوالله ما في غسان ملك أحب إلي صهرا منك، فأنكحه إياها، فاحتملها شرحبيل إلى أبيه فكانت معهم وانقطعت إليهم الحارث بن مرة، بكر بن وائل وذلك في أيام الطوائف قبل ملك بني نصر بالحيرة، فبينا هو نائم ذات ليلة هي بين يديه، إذ أقبل أسود سالخ يهوي إلى الفتى فاتحا فاه والسراج تزهر، حتى إذا أهوى إليه أخذت بحلقه فخنقته حتى مات، ثم جعلته بين أثناء الفراش، وكان أبوه إذا أصبح غدا عليه هو وأمه تعظيما له، ثم يأتيه الناس فيسلمون عليه فلما اجتمع الناس أهوت إلى الأسود فأخرجته ميتا، فذعر الشيخ فقال: من قتل هذا؟ فقالت: أنا قتلته ولو كان أشد منه لقتلته، فقال: يا شرحبيل خل عنها، فهي - وأبيها - للرجال أقتل، فكره شرحبيل أن يعصي أباه فسار بها وبمالها حتى إذا دنا من أرض بكر بن وائل بعث معها من يلحقها [ ص: 112 ] بقومها، فقالت: لو مضيت بي إلى أبي كان أحب إلي، فقال: واسوءتاه! أنظر إلى أبيك وقد طلقتك في غير ذنب، فقدمت إلى أبيها، فدعا قبيصة ابن هانئ بن مسعود فأنكحها إياه، فقال شرحبيل:
أزوجتني غراء من خير نسوة نماها إلى العلياء عمرو وعامر فلما ملأت صدري سرورا وبهجة
عزمت بحق ليس لي فيه عاذر فطلقتها من غير ذنب أتت به
إلي سوى أني بمية غادر سرى في سواد الليل أسود سالخ
إلي وقد نامت عيون سوامر فأهوت له دون الفراش بكفها
فأصبح مقتولا فهل أن شاكر
لعمري لئن طلقتها إن مثلها إذا طلب القوم من النساء قليل
ولكنني حاذرتها أن تعيدها فتصبح محجوبا وأنت قتيل
وأصبح في غسان أبكي بعبرة عليك ورزئي عند ذاك جليل