الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أيهما أجود؟  

حدثنا الحسن بن أحمد الكلبي، قال حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا العباس بن بكار، قال: حدثنا عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، وحدثني الحسن بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: وحدثنا عبد الله بن ضحاك، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن عوانة، قال: وفد عبيد الله بن العباس على معاوية بن أبي سفيان، فلما كان ببعض الطريق عارضته سحابة فأم أبياتا من الشعر، فإذا هو بأعرابي قد قام إليه فلما رأى هيئته وبهاءه، وكان من أحسن الناس شارة وأحسنهم هيئة، قام إلى عنيزة له ليذبحها فجاذبته امرأته ومانعته، وقالت: أكل الدهر مالك ولم يبق لك ولبناتك إلا هذه العنيزة يتمتعون منها ثم تريد أن تفجعهن بها، فقال: والله لأذبحنها، فذبحها أحسن من اللؤم، قالت: إذن والله لا تبقي لبناتك شيئا فأخذ العنيزة - وأضجعها، وقال:


قرينتي لا توقظي بنيه إن توقظيها تنتحب عليه     وتنزع الشفرة من يديه
أبغض بهذا وبذا إليه

ثم ذبح الشاة وأضرم نارا وجعل يقطع من أطايبها ويلقيه على النار ثم يناوله عبيد الله ويحدثه في خلال ذلك بما يلهيه ويضحكه، حتى إذا أصبح عبيد الله وانجلت السحابة وهم بالرحيل قال لقيمه: ما معك؟ قال: خمس مائة دينار، قال: ألقها إلى الشيخ، قال: القيم جعلت فداك، إن هذا يرضيه عشر ما سميت وأنت تأتي معاوية ولا تدري على ما توافقه على ظاهره أم على باطنه، قال: ويحك إنا نزلنا بهذا وما يملك من الدنيا إلا هذه الشاة فخرج لنا من دنياه كلها، وإنما جدنا له ببعض دنيانا فهو أجود منا، ثم ارتحل فأتى معاوية فقضى حوائجه، فلما انصرف وقرب من رحل الأعرابي قال لوكيله: انظر ما حال صاحبنا، فعول إليه فإذا إبل وحال حسنة وشاء كثير، فلما بصر الأعرابي بعبيد الله قام إليه فأكب على أطرافه يقبلها، ثم قال: بأبي أنت وأمي، قد مدحتك وما أدري من أي خلق الله أنت ثم أنشده:

[ ص: 177 ]

توسمته لما رأيت مهابة     عليه وقلت: المرء من آل هاشم
وإلا فمن آل المرار فإنهم     ملوك وأبناء الملوك الأكارم
فقمت إلى عنز بقية أعنز     فأذبحها فعل امرئ غير نادم
فعوضني منها غناي وإنما     يساوي لحيم العنز خمس دراهم
أفدت بها ألفا من الشاء حلبا     وعبدا وأنثى بعد عبد وخادم
مباركة من هاشمي مبارك     خيار بني حواء من نسل آدم
فلله عينا من رأى لعنيزة     أفادت وراشت بعد عشر قوادم
فقلت لعرسي في الخلاء وصبيتي     أحق ترى هذا أم أحلام نائم

قال عبيد الله: قد أصبت وأنا من ولد العباس وأنا من آل المرار، فبلغت معاوية، فقال: لله در عبيد الله، من أي بيضة خرج، وفي أي عش درج، عبيد الله معلم الجود، وهو والله كما قال الحطيئة:


أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا     وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعمى عليهم جزوا بها     وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا

.

مطايب الجزور وأطايب الفاكهة  

قال القاضي: في هذا الخبر: وجعل يقطع من أطايبها، والصواب من مطايبها هكذا يقال في اللحم، والعرب تقول: مطايب الجزور وأطايب الفاكهة، والمطايب من الجمع الذي لا واحد له على منهاج لفظه، وقياسه مثل ملامح ومشابه وهذا كثير. وقد حكى الفراء أنه سأل بعض العرب عن الواحد في مطايب الجزور، فحكى عنه ما معناه أنه لم يكن عنده فيه شيء يحفظه، وأنه أخذ يتكلف فيه قولا يستخرجه وجعل يقول: مطيبة وأنه ضحك من هذا من قوله مطيبة، وقول الحطيئة أحسنوا البنا هكذا رأيته بضم الباء. وقد حدثنا محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد القرشي، قال: حدثنا الأصمعي، قال: أتيت شعبة يوما وعنده حماد بن سلمة وهما يتكلمان في حديث، فقال له شعبة: يا أبا سلمة! هذا الفتى الذي ذكرته لك، فقال لي حماد بن سلمة كيف تنشد قول الحطيئة:


أولئك قوم

، فابتدأت القصيدة من أولها:


ألا طرقتنا بعدما هجعت هند     وقد سرنا خمسا واتلأب بنا نجد

إلى أن بلغت البيت:


أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا     وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

فقال لي حماد بن سلمة: يا بني! إن العرب تقول: بنى يبني بناء في العمران، ويقولون [ ص: 178 ] في الشرف: بنا يبنو بناء فأنشد هذا: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا إلينا، فعرفت قدر حماد بن سلمة من ذلك اليوم، فما كنت أنشده إلا ما كنت أتقنه.

قال القاضي: والبناء في الرباع والمساكن ممدود مكسور الباء في لغات عامة العرب، وبهذه اللغة جاء القرآن، قال الله تعالى: والسماء بناء ، وذكر الفراء أن من العرب من يقصر البناء ها هنا.

التالي السابق


الخدمات العلمية