الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
من سخاء المهدي  

حدثنا أحمد بن العباس العسكري، حدثنا عبد الله بن أبي سعد، وحدثني أبي رحمه الله، حدثنا أبو أحمد الختلي، قال: حدثني عبد الله، قال: حدثني عبد الله بن هارون، وموسى الفروي، قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز، عن أبيه، قال: سألني المهدي أمير المؤمنين، فقال: يا ماجشون! ما قلت حين فقد أصحابك، يعني الفقهاء، قال: قلت:


يا من لباك على أصحابه جزعا قد كنت أحذر ذا من قبل أن يقعا     إن الزمان رأى إلف السرور بنا
فدب بالهجر فيما بيننا وسعى     فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدا
فلا زيادة شيء فوق ما صنعا



فقال: والله لأغنينك، فأجازه بعشرة آلاف دينار فقدم بها المدينة فأكلها في السخاء والكرم.

الأقوال في " بين "  

قال القاضي: فيما بيننا بالنصب، هكذا روي على الظرف، وقد حكى بعض النحويين عن العرب، أتاني سواءك ودونك، وذوكرت بروايته بالجر هل تجوز؟ وما وجه جوازها؟ ووجه الجر في هذا أن يكون معنى البين هاهنا: الوصل، والمعنى فدب في وصلنا، فيكون لها وجهان: أحدهما أن تكون "ما" حشوا زائدا كما قيل مثل هذا في قوله تعالى: فبما رحمة من الله فبما نقضهم ميثاقهم ، وروي مثل هذا في قول الشاعر:


فلو أن نفسا أخرجتها مخافة     لأخرج نفسي اليوم ما قال خالد



المعنى: قول خالد وقيل خالد، فقول وقال، مثل عيب وعاب، وذم وذام، وقيل وقال: مثل: قير وقار.

والوجه الثاني: أن تكون "ما" بمعنى شيء أتت للإبهام في النوع أو القدر ويبدل منها ما بعدها، كأنه قال في البيت: فدب في شيء ما، ثم فسره بقوله: بيننا وجره على البدل منه، ومثل ما هاهنا قول ذي الرمة:


أشبهن من بقر الخلصاء أعينها     وهن أحسن منها بعدها صورا



المعنى: أحسن منها صورا، ومن البين بمعنى الوصل قول الشاعر:


لقد كذب الواشين بيني وبينها     فقرت بذاك البين عيني وعينها



[ ص: 211 ] وقال الآخر:


لعمرك لولا البين لانقطع الهوى     ولولا الهوى ما حن للبين آلف



ومما أتى بالرفع في "بين" بالفعل قول الشاعر:


إذا هي قامت تقشعر شواتها     ويشرق بين الليت منها إلى الصقل



وقد اختلفت القراء في قراءة قول الله تعالى: لقد تقطع بينكم  فقرأ ذلك كثير من قراء المدينة والشام وبعض أهل الكوفة " بينكم " بالنصب، وقرأ كثير من أهل الحجاز والعراق وغيرهم " بينكم " بالرفع والنصب، واحتج كل واحد من الفريقين به، وهو قوله:


كأن رماحهم أشطان بئر     بعيد بين جاليها جرور



وقد عاب بعض أهل العربية ممن يتكلم في القراءات واختار منها قراءة لنفسه، وهي القراءة بالنصب في هذا الحرف، وزعم أن من اختارها حذف الموصول وأبقى الصلة واستنكر هذا إذ كانت الصلة تماما للموصول، وكأن الذاهب إليه أتى ببعض جملة الاسم دون باقيها كالدال من زيد، وليس هذا كالصفة القائمة مقام الموصوف؛ لأن كل واحد من الموصوف والصفة كلمة تامة في نفسها، وجعل المعنى هذا القائل: لقد تقطع ما بينكم، وكأن العائب لهذه القراءة يعرف للنصب فيها وجها غير الذي ذكره فطعن فيه وأنكره.

وفي هذا عندي - بعد الذي قدمت ذكره في أول هذا الفصل - وجه آخر لم أر أحدا قبلي أتى به، وهو أن يكون تأويل الكلام لقد تقطع ما كنتم تزعمون بينكم وضل عنكم، كأنه قال: الذي كنتم تزعمون تقطع بينكم فلم ينتظم لكم ويصلح به أمركم، وهذا قوله تعالى: وتقطعت بهم الأسباب

التالي السابق


الخدمات العلمية