آراء للمؤلف في النقد بحضرة الخليفة
قال القاضي : وكنت يوما جالسا في دار أمير المؤمنين القادر بالله وبالحضرة جماعة من أماثل شعراء زماننا، وفيهم من له حظ من أنواع الآداب، وتصرف في فأفاضوا في هذه الوجوه إلى أن انتهوا إلى ذكر نقد الشعر ومعرفة بأعاريضه وقوافيه، وخواصه ومعانيه، وما يمتنع منه ويجوز فيه، أبي تمام ومسلم بن الوليد ، وقال كل واحد منهم في تجميل أوصافهما، وترتيب أشعارهما بما حضره، ولم أصغ كل الإصغاء إلى ما أتوا به من ذلك، إذ لم يجر على قصد التحقيق، وظهر منهم أو من بعضهم تشوف إلى أن آتي بما عندي في ذلك، فقلت: أبو تمام له التقدم في إحكام الصنعة وحبك الألفاظ المطابقة المستعذبة، وإبداع المعاني اللطيفة المستغربة، والاستعارة المتقبلة الغريبة، والتشبيهات الواضحة العجيبة، ومسلم له الطبع وقرب المأخذ، فقبلوا بهذا وأعجبوا به، وأظهروا استحسانه، والاغتباط باستفادته، ثم حضرني بعض من يتعاطى هذا الشأن فسألني إملاءه عليه، فقلت له: أنا قائل لك في هذا قولا وجيزا مختصرا يأتي على المعنى، وله مع الاختصار حلاوة، وبهاء وطلاوة، وهو أن أبا تمام أصنع ، ومسلما أطبع، وكان بعض من قدمت الحكاية عنه من الشعراء لما قلت في ذلك المجلس ما قلته أقبل علي، وقال لي: ما أحد يدانيك في هذا الباب، فلم لا تكون منا؟ ولم تؤثر مجالسة غيرنا، لغلبة هذا الشأن عليه، وجرى يوما بيني وبين رجل له حظ من العلم والأدب ذكر بعض من كنا نجالسه من رؤساء ذوي السلطان والولاية، وأهل العلم والأدب والرواية، مع وفور حظه من التدين، والنزاهة والتصون، وأنه كان يخالفنا في أشياء، ويمارينا فيها مع ظهور صحة مذاهبنا، وفساد اختياراته المفارقة لاختيارنا، وتذاكرنا ما يظهره من الزراية على أبي تمام وابن الرومي، وأنه لا يقف عند التسوية بينهما وبين من هو منخفض بدرجات متفاوتة عنهما، حتى يحطهما عمن هو أدون رتبة وأوفى منزلة، فقلت لهذا الرجل: كأن هذا الأمر يختلف بحسب اختلاف الأمزجة، وتركيب الأبنية، ويلحق بما يختلف فيه شهوات الناس ولذاتهم من الأطعمة والأشربة، ويؤثرونه من المراكب والملابس والمواطن، ثم ذكرت له أحوال الناس في اختيارهم ما يختارونه من الشعر، وأن كثيرا منهم بالطويل أشد إعجابا منه بغيره، ويذهب غيره إلى مثل هذا بالبسيط، وبعضهم في الكامل، وبعضهم في الوافر، وقد كان قدامة الكاتب يرى تقدم أول السريع على غيره من أنواع الشعر في بهائه وتقبل الطبائع له، [ ص: 290 ] وألف كتابا في نقد الشعر وأتى بهذا المعنى فيه، وذهب غيره إلى إيثار الخفيف، وذكر أن الألحان أحسن موقعا فيه منها فيما سواه، قال: ولذلك صار محتملا من الزحاف ما لا يحتمله غيره، فقلت لهذا الرجل: إن نقد الشعر على التحقيق عزيز جدا، وإن الناقد الذي يعتمد في النقد عليه، ويرجع في صحته إليه، لا يكون كاملا حتى يكون مفرقا على الصحة بين المطبوع على المنظوم المؤلف، وبين النظم المتكلف، والطريق المتعسف، ويكون ناقدا في فقه اللغة غير مقصر على تأدية مسموعها، وحفظ منصوصها ومسطورها، ومضطلعا بلطيف الإعراب وقياس النحو، حافظا للأمثال المضروبة، مهتديا بأعلام العقل المنصوبة، حاصرا لمجاري العرف والعادة، آخذا من كل علم وأدب بحظ، وضاربا في صناعات الفكر بسهم، ويكون ناظرا مدرها، قد أنس بجملة من أساليب المتفلسفين، وصناعة المتكلمين، وجدال المتناظرين، ويكون مع هذا معتدلا بعيدا من الهوى والتعصب لنوع دون نوع، وشخص دون شخص، وبحسب تكامل هذه الخلال، واجتماع هذه الخصال، تتكامل لناقد الشعر نقده، وبحسب ما يعدم منها يقل حظه، وبقدر ما تمكن هذا الناقد من النقد بين الرجحان، والتساوي والنقصان، كما يميز وازن الذهب والفضة بين الزائد والمعتدل والناقص بالعيان، ويتجلى المعنى لأحدهما ببصره والآخر ببصيرته.