الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
مزرد ينتقم لحرمانه

حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أحمد بن عبيد ، قال : أخبرنا الأصمعي .

قال : كنت يوما عند هارون أمير المؤمنين ، فقدمت إليه فالوذجة ، فقال : يا أصمعي! قلت : لبيك يا أمير المؤمنين ، فقال : حدثني حديث مزرد أخي شماخ ، فقلت : يا أمير المؤمنين! إن مزردا كان غلاما نهما جشعا ، وكانت أمه تؤثر عيالها بالزاد عليه ، وكان ذلك يغيظه ويغمه ، فذهبت أمه يوما في بعض حقوق أهلها وخلفت مزردا في رحلها ، فدخل الخيمة وأخذ صاعي دقيق وصاع عجوة وصاع سمن ، فضرب بعضه ببعض وأكله ،  ثم أنشأ يقول :


ولما مضت أمي تزور عيالها أغرت على العكم الذي كان يمنع     خلطت بصاعي حنطة صاع عجوة
إلى صاع سمن وسطه يتربع     ودبلت أمثال الأثافي كأنها
رءوس نقاد قطعت يوم تجمع     وقلت لبطني أشبع اليوم إنه
حمى أمنا مما تفيد وتجمع     فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه
وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع

قال : فاستضحك هارون حتى أخذ على بطنه ، واستلقى . ثم قعد ، فمد يده وقال : خذوا باسم الله .

معنى النهم والنقد ، والصفر والغرث  

قال القاضي : قوله : كان غلاما نهما ، يعني حريصا على الأكل وهو كالشره والجشع ، يقال : نهم ينهم نهما فهو نهم ، مثل شره يشره شرها ويقال أيضا : رجل منهوم ، وقد قدمنا القول في ذلك .

والنقاد : الغنم الصغار التي هي شرط ليست خيرات ولا حرزات ، يقال لها : نقد ، كما قال الراجز :


لو كنتم شاء لكنتم نقدا



وقول مزرد يخاطب بطنه : فإن كنت مصفورا ، يعني : وإن كان بك الصفر وهو داء في البطن يهيج الجوع على صاحبه ، قال الشاعر :


لا يغمز الساق من أين ولا نصب     ولا يعض على شرسوفه الصفر

[ ص: 316 ] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " لا عدوى ولا هامة ولا صفر " ، وكان العرب ترى أن ذلك يعدي ، فتأول قوم هذا الخبر على أنه عنى به هذا المعنى وذهب به آخرون إلى أنه الشهر المسمى صفرا ، وإبطال ما كانت العرب تفعله في تقديمه إلى المحرم على ما كانوا يذهبون إليه في النسيء .

واستقصاء بيان هذا مرسوم في موضعه ، فأما الصفر في بيت مزرد وفي البيت الذي استشهدنا به ، فإنه الداء الذي وصفناه دون غيره .

وأما قوله : فإن كنت غرثانا فإنه من الغرث ، وهو الجوع ، يقال : رجل غرثان أي جائع ، وامرأة غرثى ، مثل غضبان وغضبى ، قال الأعشى :


تبيتون في المشتى ملاء بطونكم     وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا

وتروى غر مكان غرثى ، وقال حسان بن ثابت :


حصان رزان ما تزن بريبة     وتصبح غرثى من لحوم الغوافل



التالي السابق


الخدمات العلمية