الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الأعرابي الذي استحمل ابن الزبير  

حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني أحمد بن الحارث ، قال : قال أبو الحسن ، قال أبي : أتى فضالة بن شريك الكاهلي الأسدي - أسد بني خزيمة - عبد الله بن الزبير ، فقال له : قد نفدت نفقتي ونقبت راحلتي فاحملني ، فقال له : أحضر راحلتك ، فأحضرها ، فقال له : أقبل بها أدبر بها ففعل ، فقال : ارقعها بسبت واخفصها بلهب ، وانجد بها يبرد خفها وسر عليها البردين تصح ، فقال ابن فضالة : إنما أتيتك مستحملا ولم آتك مستوصفا ، لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال ابن الزبير : إن وراكبها ، يريد نعم وراكبها ، فانصرف ابن فضالة وهو يقول :


أقول لغلمتي شدوا ركابي أفارق بطن مكة في سواد     فما لي حين أقطع ذات عرق
إلى ابن الكاهلية من معاد     سيبعد بيننا نص المطايا
وتعليق الأداوي والمزاد     وكل معبد قد أعلمته
مناسمهن طلاع النجاد     أرى الحاجات عند أبي خبيب
نكدن ولا أمية بالبلاد     من الأعياص أو من آل حرب
أغر كغرة الفرس الجواد

قال : فالكاهلية إحدى جدات ابن الزبير ، فقال : علم أنها ألأم جداتي فسبني بها قال القاضي رضي الله عنه : إن في قول ابن الزبير إن وراكبها معناها نعم ، وهي لغة مشهورة يمانية ، وقد حمل قوم عليها إن في قول الله عز وجل : إن هذان لساحران فقالوا : المعنى نعم ، وجاء في بعض فصيح الخطب : إن الحمد لله ، برفع الحمد ، بمعنى نعم الحمد لله ، ومن ذلك قول الشاعر :


بكرت علي عواذلي     يلحونني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا     ك وقد كبرت فقلت إنه

يعني بقوله إنه : نعم ، والهاء للسكت والوقف ، كقولهم : تعاله ، والقول مستقصى على شرحه في إن هذه وفيما أتى من القرآن والتلاوات في قوله : إن هذان في مواضعه من تآليفنا وإملائنا ، وقول ابن فضالة في شعره هذا : نص المطايا النص ضرب من السير فيه ظهور وارتفاع ، ومن هذا اشتق اسم المنصة أعني الارتفاع والظهور ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 380 ] في قصة ذكرت أنه كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ، ومنه : نصصت الحديث إلى صاحبه أي رفعته إليه ، وقال امرؤ القيس :


وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش     إذا هي نصته ولا بمعطل

وقوله : وكل معبد : المعبد المذلل ، قال طرفة :


إلى أن تحامتني العشيرة كلها     وأفردت إفراد البعير المعبد

وأبو خبيب : هو عبد الله بن الزبير ، كان يكنى أبا خبيب وأبا بكر . وقال الشاعر فيه ، وفي أخيه مصعب :


قدني من نصر الخبيبين قدي     ليس أميري بالشحيح الملحد

يروى الخبيبين مثنى ، يراد هو وأخوه ، ويروى الخبيبين على الجمع ، من باب الأشاعثة والمسامعة والمهالبة ، يراد هو وذووه ، وقوله : ولا أمية في البلاد نصب بلا النافية ، وإنما تعمل في النكرة دون المعرفة ، لأنه أراد : ولا مثل أمية ، كما قال الآخر :


لا هيثم     الليلة للمطي

أي لا مثل هيثم ، وقوله : من الأعياص ، نسب بني أمية مقسوم على الإضافتين الأعياص والعنابس والأعياص أعلاهما .

قال القاضي رحمه الله : ابن الزبير حين ذكر الكاهلية ونسبة ابن فضالة إياه إليها معنى لطيف ، وتعريض بسبه أبلغ من التصريح ، إذ علم أن الكاهلية ألأم أمهات ابن الزبير فسبه بها ، فالسب راجع عليه بأعظم من سبه من هجاه ، إذ بنو كاهل رهط ابن فضالة وعصبته .

وقول ابن الزبير : أرقعها بسبت ، السبت : جلود يؤتى بها من اليمن تتخذ منها النعال ، وهي من جلود البقر ، وكانت من ملابس الملوك ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل رآه يمشي في المقبرة لابسا شيئا منها : يا صاحب السبتين : اخلع سبتيك .

وقال عنترة يصف رجلا بالنبل وتمام الخلق :


بطل كأن ثيابه في سرحة     يحذى نعال السبت ليس بتوأم

وقوله : اخصفها بهلب : يعني ما أخذ من شعر الذنب ، وقوله : وأنجد بها ، يريد : ائت بها نجدا : أنجد الرجل إذ أتى نجدا ، وأغار إذا أتى الغور ، ومن كلام العرب " أنجد من رأى حصنا " أي شارف نجدا ، وحصن جبيل ، قال الأعشى :


نبي يرى ما لا ترون وذكره     أغار لعمري في البلاد وأنجدا

وقوله : وسر عليها البردين : البردان : أول النهار وآخره ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من صلى البردين دخل الجنة " . قال : الله عز وجل : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ومن الدليل على ما قلناه في معنى البردين قول حميد بن ثور الهلالي :


فلا الظل من برد الضحى نستطيعه     ولا الفيء من برد العشي نذوق

[ ص: 381 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية