حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا حدثنا محمد بن أحمد ، عمرو بن علي بن بحر بن كثير السقا ، مولى باهلة أبو حفص ، قال : حدثنا محمد بن عباد المهلبي ، عن قال : كتب بباب أبي بكر الهذلي ، حين ولي الخلافة فخرج آذنه فأدخل من كان بالباب من أبي العباس أهل الكوفة ، فدخل عليه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، والحجاج بن أرطأة ، والحسن بن زياد ، وأدخل من كان من أهل البصرة ، فقال نحن أكثر من محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى : أهل البصرة خراجا وأوسع منهم أنهارا ، فقال لي : ما تقول يا أبا بكر ؟ قال : قلت : معاذ الله من ذلك يا أمير المؤمنين ، وكيف يكونون كذلك ولنا كرمان ومكران وفارس والأهواز والسند والهند والقرص والقرص ، افتتحناها بالبيض القواضب ، حتى ربطنا أعنة الخيل بأصول القنا بأرض الفلفل ، قال : فقال محمد بن عبد الرحمن : نحن أكثر منكم علما وفقها ، قال : فما تقول يا أبا بكر ؟ قال : قلت : بل هم [ ص: 401 ] أعظم كبرياء وأقل أتقياء وأكثر أنبياء كان منهم المغيرة الخبيث السريرة ، وبيان وأبو بيان ، والله يا أمير المؤمنين ، ما رأيت شيئا قط أكثر بدنا مصلوبا ولا رأسا منصوبا من أهل الكوفة ، وما لنا إلا نبي واحد صلى الله عليه وسلم ، قال : فتبسم فقال أبو العباس ، أتشتم أصحاب الحسن بن زياد : علي ؟ وقد سرتم إليه لتقتلوه ، فإن قلت : نحن والله أصحاب علي سرنا إليه لنقتله فكف الله تعالى شوكتنا وسلاحنا عنه حتى أخرجه من بين أظهرنا ، فقتله أهل الكوفة من بين أظهركم فأينا أعظم ذنبا ، فقال بلغني أن الحجاج بن أرطاة : أهل البصرة كانوا يومئذ ثلاثين ألفا وأهل الكوفة تسعة آلاف فلما التقت حلقنا البطان ، وتناهد النهدان ، وأخذت الرجال أقرانها ، ما كانوا إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، قال : ما تقول يا أبا بكر ؟ قلت : معاذ الله تعالى من ذلك يا أمير المؤمنين ، ومن أين كنا ثلاثين ألفا وقد خرجت ربيعة تعين علينا ، وخرج في الأحنف بن قيس سعد والرباب وهم الشام الأعظم والجمهور الأكبر ، ولكن سلهم كم كان عددنا يوم استغاثوا بنا ؟ فلما التفت حلقتا البطان ، وتناهد النهدان ، وأخذت الرجال أقرانها ، شدخ منهم في صعيد واحد تسعة آلاف وذبحوا ذبح الحملان ، قال : فقال يا أمير المؤمنين نحن أكثر منهم أشرافا ، وأكرم منهم أسلافا ، قال : ما تقول يا أبا بكر ؟ قلت : معاذ الله يا أمير المؤمنين ، هل كان في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى : تميم الكوفة مثل الذي يقول فيه الشاعر : الأحنف بن قيس
إذا الأبصار أبصرت ابن قيس ظللن مهابة منه خشوعا
وهل كان في قيس عيلان الكوفة مثل الذي يقول فيه الشاعر : قتيبة بن مسلمكل يوم يحوي قتيبة نهبا ويزيد الأموال مالا جديدا
باهلي قد عصب التاج حتى شاب منه مفارق كن سواد
إذا ما خشينا من أمير ظلامة دعونا أبا الأيتام يوما فعسكرا
إذا كان المهلب من ورائي هدا ليلي وقر له فؤادي
ولم أخش الدنية من أناس ولو صالوا بقوة قوم عاد
يا حكم بن المنذر بن الجارود أنت الجواد ابن الجواد المحمود
حكم نذر الكتابي إذا أسلم سرادق المجد عليك ممدود
قال : فقال ما رأيت مثل هذه الغلبة . أبو العباس
[ ص: 402 ] قال : وقال أبو حفص : حدثني عون بن أبي سنان الراسبي ، عن قال : سألنا أبي بكر الهذلي ، في هذا المجلس عن أبو العباس قال : فسكت القوم ، فقلت : يا أمير المؤمنين سألت عنها يهودية مرضت فنذرت في مرضها إن الله سلمها لتسرجن في كنيسة من كنائس اليهود ، ولتطعمن مساكين من مساكينهم ، فقامت من مرضها وقد أسلمت ، الحسن بن أبي الحسن ، فقال : تسرج في مسجد من مساجد المسلمين وتطعم مساكين من مساكينهم ، وسألت قتادة وهو إلى جانبه ، فقال لي : مثل مقالة الحسن ، فلقيت فسألته عن ذلك ، فقال لي : ليس عليها شيء ، هدم الإسلام ما كان قبله ، فلقيت محمد بن سيرين فأخبرته بما قال الشعبي الحسن فقال لي : فأين أنت عن وقتادة ، الأصم بن سيرين ؟ فقلت له : قد سألته عن ذلك ، فقال لي : ليس عليها شيء هدم الإسلام ما كان قبله ، فقال : أصاب الأصم وأخطأ الحسن وقال : يعني وقتادة ، حدثني محمد بن أحمد : قال : كنت أتغدى مع جعفر بن عبد الواحد ، المتوكل فسألت عن نصراني حلف على يمين ونذر نذرا ثم أسلم ، هي يجب عليه ؟ فقال له : حدثني قال : عبد الله بن بكر السهمي ، حدثنا عن بهز بن حكيم ، أبيه ، عن جده ، قال : قلت : يا رسول الله ! ما أتيتك حتى حلفت بعدد أولاء ، وجمع بين أصابع يده ، على أن لا آتيك ولا آتي دينك ، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامه ولم يأمره بكفارة يمينه .
قال القاضي أبو الفرج : قد اختلف أهل العلم في فأسقط عنه الكفارة والإتيان بما نذره كثير من فقهاء الكافر ينذر نذرا في هذه أو يحلف يمينا ثم يسلم ، الحجاز والعراق ، وأوجب ذلك عليه عدد منهم ، واحتجوا بأن الإسلام يجب ما قبله ، وأن الكافر في كفره لا تصح منه قربة إلى ربه قبل إسلامه ، وأن الأسباب التي تؤدي إلى وجوب أسباب الطاعات تجري مجرى مواقيت الفروض والنوافل في خصوصية المسلمين بها ، ومفارقة أهل الكفر لهم فيها ، واعتل في ذلك بعضهم بقول الله عز وجل : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف واحتج مخالفوهم بأن العبادات التي أتت شريعة الإسلام بها لازمة لكل ذي مرة سوي فعلها والرجوع إليها والأخذ بها ، وما أسقط الله عنهم بعد الإسلام أداءه وقضاءه سقط دون غيره مما لم ينصب دلالة على إسقاطه ، إذ الواجب إقراره على أصله ، واحتجوا أيضا بأن قال : نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية ، فلما أسلمت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أوف بنذرك " ، عمر بن الخطاب ، ورأيت شيخنا ذكر في أبا جعفر أنه لا كفارة عليه ، واعتل بأن الكافر يحلف بإلهه الذي يعبده ، ومن مذهبه أنه من حلف بغير الله تعالى ثم حنث فلا كفارة عليه ، فكأنه أسقط الكفارة عمن حلف بغير الله من الكفار ، وقال في حديث الكافر يحلف في حال كفره ثم يحنث فيها بعد إسلامه عمر ، لما رواه أنه يدل على وجوب النذر فيما ورد خبر عمر فيه ، وقد شرحت مذهبه في هذا وأتيت بما حضرني فيه فيما صنفته من كتب الفقه ، وكرهت الإطالة في هذا الموضع [ ص: 403 ] بإعادته .
وأما ما أفتى فيه الحسن من الإسراج في مسجد من مساجد المسلمين مكان نذر الناذرة في كفرها أن تسرج في كنيسة من كنائس اليهود فإن إبطال نذرها في الكنيسة صواب إذ هو معصية ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقتادة وقال : " " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ، والكفارة في هذا عندنا غير واجبة ، وقد ضعف شيخنا سند هذا الخبر الآتي بها وجمهور فقهاء الكوفيين يوجبونها ويوجبون معها كفارة يمين ، إذا كان الناذر يمينا والإسراج في مسجد من مساجد المسلمين غير واجب عندنا في هذه المسألة إذ لم يكن نذره ولا أتت حجة بوجوبه ومن أوجبه فقوله : مضارع لمن أوجب على الناذر أن ينحر ولده ذبح شاة من الغنم أو نحر شيء من الإبل ، وأما ما أفتيا به من إطعام مساكين من المسلمين مكان من نذرت إطعامه من مساكين اليهود فإن إطعام مساكين اليهود يجزئ في النذر إذا جعل لهم ، وفيه قربة إلى الله جل وعز ، وقد أجاز كثير من فقهاء المسلمين ولا نذر في معصية ، وكفارته كفارة يمين ومن أجاز إطعام مساكين المسلمين ما نذر إطعامه مساكين أهل الذمة ، فشاهده من القياس جواز صلاة القادر أن يصلي في مسجد سماه وعينه إذا صلى في مسجد غيره هو مثله أو أفضل منه ، فأما إبطال نذر إطعام مساكين أهل الذمة وإيجاب نقله إلى مساكين أهل المسلمين فلا وجه له في الصحة ، وأما فتيا صرف صدقة الفطر وكفارة الأيمان والجهاد إلى أهل الذمة ، الشعبي فهي جارية على أصل مذهب من قدمنا حكاية مذهبه ، ممن يبطل أصل نذر الكافر في أصل كفره ، وأما الخبر الذي رواه وابن سيرين جعفر بن عبد الواحد للمتوكل فلا حجة له فيه ، وذلك أن جد بهز بن حكيم القشيري وهو معاوية بن حيدة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه حلف ، وقال له : حلفت ولم يذكر الذي حلف به ، وجائز أن يكون حلف بغير الله تعالى فلا كفارة عليه عندنا بعد حنثه ، وأيضا فإنه قال : حلفت ، ومن فليس عليه عندنا ما على القائل : أحلف بالله من الكفارة إذا حنث ، حتى يقول : أحلف بالله وأقسم بالله أو أولي بالله أو أشهد بالله ، وإن كان من أهل العلم من يجعل قول القائل : أشهد وأحلف وأولي وأقسم يمينا ، ويسوي بين هذا وبين ما وصله باسم الله تعالى ، فقال : أشهد بالله وأحلف بالله وأولي بالله وأقسم بالله . قال حلفت لأفعلن كذا وكذا ، أو لا أفعل كذا