حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أبو العباس بن الفضل الربعي قال حدثني أبو غسان رفيع بن سلمة قال حدثني محمد بن الحجاج قال بشار لأبي العتاهية أنشدني ، فأنشده :
كم من صديق لي أسا رقه البكاء من الحياء فإذا تفطن لامني
فأقول ما بي من بكاء لكن ذهبت لأرتدي
فطرفت عيني بالرداء
[ ص: 507 ]
وقالوا قد بكيت فقلت كلا وقد يبكي من الجزع الجليد
ولكن قد أصاب سواد عيني عويد قذى له طرف حديد
فقالوا ما لدمعهما سواء أكلتا مقلتيك أصاب عود
قال القاضي : بين هذه الأبيات في الخبرين من التناسب والتقارب في معانيهما ما يمكن أن يكون بعض من أنشأهما أخذ من صاحبه ، وجائز أن يكون الاتفاق فيهما وقع من غير شعور ، من كل ناظم من الشاعرين بما نظمه غيره . وقد روي لنا بيت بشار المتقدم في أبياته هذه من طريق آخر وعجزه وهل يبكي من الطرب الجليد والطرب هو استطارة تلحق الرجل عند غلبة السرور أو الحزن عليه ، وهو مما تغلط فيه العامة وتذهب فيه عن وجه الصواب ، فيظنون أنه يقال في الفرح خاصة دون الغم ، والأمر فيه بخلاف ما يتوهمون ، وقد زعم بعض أصحاب اللغة أنه من الأضداد ، وأنكر ذلك كثير منهم ، فقال لنا ابن الأنباري : هو عندي خفة تلحق الرجل عند الشيء يسره أو يحزنه ، وقد قال الأعشى :
فهاجت شوق محزون طروب فأسبل دمعه فيها سجاما
وأراني طربا في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى وخير بني حواء والخير يطلب
بني هاشم آل النبي ورهطه بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب