الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أبو حرملة الحجام راوية للشعر

حدثنا عبد الله بن منصور الحارثي قال حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن ميمون الكاتب قال حدثني جدي أبو الفضل ميمون بن هارون قال : أراد سليمان بن وهب أن يأخذ من شعره في وقت من الأوقات ، فطلب أبا حرملة فلم يجده ، ووجد غلام أبي حرملة ، فأخذ من شعره ، فقبل أن يفرغ جاء أبو حرملة فقال له سليمان : قم يا غلام ، أعط القوس باريها ، فقال له أبو حرملة : تعرف يا سيدي أول هذا البيت قال : ما أعرف فيه غير هذا ، فقال أبو حرملة أنشد ابن الأعرابي :


يا ابري القوس بريا ليس يحكمه لا تفسد القوس أعط القوس باريها

حدثنا عبد الله بن محمود الكاتب قال حدثنا أبو علي أسباط خليفة محمد بن يحيى قال ، قال لي أبو حرملة : حذفت عبيد الله بن سليمان فلما فرغت قال : أعط القوس باريها ، فقلت : أتعرف صدر هذا البيت؟ قال : لا ، فأنشدته إياه ، فضرب يده إلى الدواة وكتبه ، وهو :


يا باري القوس بريا ليس يحكمه     أفسدت قوسك أعط القوس باريها

 تعليقات نحوية ولغوية

قال القاضي في الرواية الأولى : تعرف من غير حرف استفهام في الكلام أو في ما عطف به عليها ، وهذا عند بعض المحققين من النحاة خطأ ، وقد أجازه كثير منهم ، وأنشدوا فيه أبياتا منها قول عمر بن عبيد الله بن أبي ربيع سامحه الله :


ثم قالوا تحبها قلت بهرا     عدد الرمل والحصى والتراب

وقالوا أراد : أتحبها ، وأنكر هذا من قدمنا الحكاية عنه ، وقال : هو خبر وليس باستفهام وغير جائز الإشراك بين الخبر والاستخبار ، لما فيه من فساد الكلام في القياس ، ودخول الإشكال والالتباس ، وقد عاب كثير من أهل المعرفة بالعربية على امرئ القيس إيتانه بمثل هذا في بيت من شعره يقول فيه :


أصاح ترى برقا أريك وميضه     كلمع اليدين في حبي مكلل

فقال : ترى والمعنى أترى؛ فأما قوله :


تروح من الحي أم تبتكر     وماذا يضرك لو تنتظر

فإنه جائز لأن قوله : أم تبتكر قد دل على المعنى ، ومثله كثير ، من ذلك قول الشاعر :


لعمرك ما أدري وإن كنت داريا     بسبع رمين الجمر أم بثمان

وأما قول الشاعر في البيت الذي أنشده أبو حرملة : أعط القوس باريها فإنه أنشدوناه [ ص: 526 ] باريها بتسكين الياء التي هي مدة ، وهي الرواية الجارية على ألسنة خاصة الناس وعامتهم ، وحقيقة الإعراب فيها هاهنا أن تنصب في الفعل ، وقد تسكن في الشعر تخفيفا كما قال الراجز : كأن أيديهن بالقاع القرق وقال الأعشى :


فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها     أو القمر الساري لألقى المقالدا

وربما أسكنوها وحذفوها في النصب كما قال الشاعر :


فلو أن واش باليمامة بيته     وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا

فإذا روي هذا البيت على هذا كان من البسيط الثاني وبيته في العروض :


قد أشهد الغارة الشعواء تحملني     جرداء معروقة اللحيين سرحوب

عروضه فعلن وضربه فعل ، وعروضه في مصرعه فعلن إلحاقا له بضربه؛ وإن رواه راو على أصله في تحقيق الإعراب فتح الياء فقال باريها وكان إذا من الضرب الأول من البسيط ، وبيته في العروض :


يا حار لا أرمين منكم بداهية     لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك

وإذا روي هكذا استقام إعرابه ووزنه ، واستوى عروضه وضربه فكانا معا فعلن في إطلاقه وتصريفه ، إذ ليس بينهما في المطلق اختلاف في الزيادة والنقصان فيغير العروض ليلحق الضرب به .

التالي السابق


الخدمات العلمية