الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
185 - وقال -صلى الله عليه وسلم-: " من أراد أن يسمع القرآن غضا كما أنزل فليسمعه من ابن أم عبد   " .

ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو  ، وهذه الأخبار تلقتها العلماء بالقبول، وحكمت بصحتها فحصلت معلومة.

وخاطر أبو بكر -رضي الله عنه- أي: راهن قوما من أهل مكة ، فقرأ عليهم القرآن، فقالوا: هذا من كلام صاحبك. فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله تعالى، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.

وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على المنبر: " إن هذا القرآن كلام الله   "، فهو إجماع الصحابة، وإجماع التابعين بعدهم، [ ص: 332 ] مثل: سعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، والشعبي وغيرهم ممن يطول ذكرهم أشاروا إلى أن كلام الله هو المتلو في المحاريب والمصاحف.

وذكر صالح بن أحمد بن حنبل ، وحنبل أن أحمد -رحمه الله- قال: جبريل سمعه من الله تعالى، والنبي -صلى الله عليه وسلم- سمعه من جبريل ، والصحابة سمعته من النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وفي قول أبي بكر -رضي الله عنه-: ليس بكلامي، ولا كلام صاحبي، إنما هو كلام الله -تعالى- إثبات الحرف والصوت، لأنه إنما تلا عليهم القرآن بالحرف والصوت.  

[ ص: 333 ] وقال: هو كلام الله، ولم يقل أحد إن القرآن قائم بالذات، وذلك قول يخالف قول الجماعة.

فإن قيل: لا يمتنع أن يكون كلام جبريل عبارة عن القرآن.

قيل: حصول الإعجاز بلفظه ونظمه لا يحصل بكلام جبريل .

فإن قيل: إن الكلام إذا كان حرفا وصوتا، وعدم المخاطب به أدى ذلك إلى الهذيان، وهذا يستحيل .

يقال: من قال هو قائم بالذات؟ يقال له: من ردد في نفسه كلاما من غير أن يريد أن يقرره في نفسه فهو موسوس، -تعالى- الله من ذلك علوا كبيرا، فلما استوى ذلك في النفس، ولم يؤد إلى الهذيان استوى أن يكون حرفا وصوتا، ولا يؤدي إلى الهذيان.

فإن قيل: إن الحروف لا تحصل إلا بالأدوات، لأن لكل حرف منها مخرجا، ولا يجوز إضافة ذلك إلى الله.

يقال له: قد قال الله تعالى: يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ، وليس للنار أدوات الحروف.

التالي السابق


الخدمات العلمية