الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

324 - أخبرنا أبو جعفر محمد السراج المقري ببغداد، أنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الحافظ ، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن نصير ، نا زكريا بن يحيى الساجي ، نا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن [ ص: 340 ] عبيد الله ، نا أبي قال: قال عبيد الله بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة. قال: حدثني أبي محمد بن عمران ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: خرج أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان له صديقا في الجاهلية، فلقيه فقال: يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك، واتهموك بالعيب لآبائها، وأديانها. فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - "إني رسول الله أدعو إلى الله". فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسلم أبو بكر -  رضي الله عنه -، وما بين الأخشبين أكثر من سرورا بإسلام أبي بكر - رضي الله عنه -، ومضى أبو بكر فراح بعثمان ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص فأسلموا وجاء من الغد بعثمان بن مظعون ، وأبي عبيدة بن الجراح ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبي سلمة بن عبد الأسد ، والأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا. قالت: فلما أن اجتمع [ ص: 341 ] أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا تسعة وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهور فقال: "يا أبا بكر إنا قليل"، فلم يزل يلح على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، وكل رجل معه عشيرته، وقام أبو بكر - رضي الله عنه - خطيبا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، وكان أول خطيب دعا إلى الله عز وجل وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين يضربونهم في نواحي المسجد ضربا شديدا ووطئ أبو بكر ، وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة ، فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، وأثر على وجه أبي بكر حتى ما يعرف أنفه من وجهه وجاءت بنو تيم تتعادى فأجلوا المشركين عن أبي بكر ، وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه، ولا يشكون في موته، ورجعت بنو تيم فدخلوا المسجد فقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة ، ورجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر - رضي الله عنه - حتى أجابهم فتكلم آخر النهار: ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنالوه بألسنتهم، وعذلوه وقالوا لأم الخير بنت صخر: انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به، [ ص: 342 ] وألحت جعل يقول: ما فعل رسول الله؟ قالت: والله ما لي علم بصاحبك. قال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فسليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله. قالت: ما أعرف أبا بكر ، ولا محمد بن عبد الله، وإن تحبي أن أمضي معك إلى ابنك فعلت. قالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فرنت أم جمل وأعلنت بالصياح وقالت: إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك. قال: فما فعل رسول الله؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا عين عليك منها. قالت: سالم صالح . قال: فأين هو؟ قالت في دار الأرقم. قال: فإن الله علي البتة لا أذوق طعاما أو شرابا أو آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأمهلنا حتى إذا هدأت الرجل، وسكن الناس خرجا به يتكئ عليهما حتى دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فانكب عليه فقبله وأكب عليه المسلمون ورق رسول الله - صلى الله عليه وسلم – رقة شديدة، ورق المسلمون رقة شديدة. فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: بأبي أنت وأمي، ليس بي إلا ما نال الفاسق من وجهي. [ ص: 343 ] هذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها أن يستنقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم دعاها إلى الله فأسلمت، فأقاموا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا، وكان حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - أسلم يوم ضرب أبو بكر ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وأبي جهل بن هشام ، فأصبح عمر ، وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة، وخرج أبو الأرقم وهو وأعمى كافر. فقال عمر - رضي الله عنه -: يا رسول الله على ما تخفي ديننا، ونحن على الحق، وهم على الباطل، فقال يا عمر: "إنا قليل وقد رأيت ما لقينا". فقال عمر - رضي الله عنه -: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان. ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش وهم ينظرون فقال أبو جهل: زعم فلان أنك صبوت. فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فوثب المشركون إليه فوثب عمر على عتبة فبرك عليه فجعل يضربه، وأدخل أصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح [ ص: 344 ] فتنحى الناس عنه، فقام عمر - رضي الله عنه - فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه حتى أحجم الناس عنه، واتبع المجالس التي كان فيها فأظهر الإيمان، ثم انصرف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما يجلسك بأبي أنت وأمي. فوالله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت الإيمان غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمر أمامه، وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت، وصلى الظهر معلنا، ثم انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى دار الأرقم ، وعمر - رضي الله عنه - معه.

التالي السابق


الخدمات العلمية