31 - قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " إن الله تعالى خلق مائة رحمة، فمنها رحمة بها يتراحم الخلق، وأخر تسعة وتسعين ليوم القيامة ".
خلق الإنسان صغيرا لا يسمع، فإن سمع لم يعقل ما يسمع، فإذا عقل ميز بين المسموعات، فأجاب عن الألفاظ بما يستحق، وميز بين الصوت الحسن والقبيح، وميز الكلام المستحسن من المستقبح، ثم كان لسمعه [ ص: 127 ] مدى، إذا جاوزه لم يسمع، ثم إن كلمه جماعة في وقت واحد عجز عن استماع كلامهم، وعن إدراك جوابهم، والله -عز وجل- السميع لدعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم، مع اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول، ويعجز القائل عن التعبير عن مراده، فيعلم الله فيعطيه الذي في قلبه، والمخلوق يزول عنه السمع بالموت، والله تعالى لم يزل ولا يزال يفني الخلق ويرثهم، فإذا لم يبق أحدا قال: ومن أسماء الله تعالى: السميع البصير، لمن الملك اليوم فلا يكون من يرد، فيقول: لله الواحد القهار .
وأما البصير: فهذا الاسم يقع مشتركا، فيقال: فلان بصير، ولله المثل الأعلى، والرجل قد يكون صغيرا لا يبصر ولا يميز بالبصر بين الأشياء المتشاكلة، فإذا عقل أبصر فميز بين الرديء والجيد، وبين الحسن والقبيح، يعطيه الله هذا مدة، ثم يسلبه ذلك، فمنهم من يسلبه وهو حي، ومنهم من يسلبه بالموت، والله بصير لم يزل ولا يزول، والخلق إذا نظر إلى ما بين يديه عمي عما خلفه وعما بعد منه، والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في خفيات مظالم الأرض، فكل ما ذكر مخلوقا به وصفه بالنكرة، وإذا وصف به ربه وصفه بالمعرفة.
قال الله تعالى: ومن أسماء الله -عز وجل-: الباقي ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [ ص: 128 ] قيل: معنى الباقي: الدائم الموصوف بالبقاء، الذي لا يستولي عليه الفناء، وليست صفة بقائه ودوامه كبقاء الجنة والنار ودوامهما، وذلك أن بقاءه أبدي أزلي، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، فالأزلي ما لم يزل، والأبدي ما لا يزال، والجنة والنار كائنتان بعد أن لم تكونا.
قال بعض العلماء في قوله: هو الأول والآخر الأول: الذي لا قبل له، والآخر: الذي لا بعد له، فقبل وبعد [ ص: 129 ] نهايتان، والله تعالى هو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء.