الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوظيفة الثالثة الإسرار بالزكاة

والمتحدث بصدقته يطلب السمعة ، والمعطي في ملأ من الناس يبغي الرياء والإخفاء والسكوت هو المخلص منه وقد ، بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير ، وهو نائم وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره ؛ بحيث لا يعرف المعطي ، وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه ، واحترازا من الرياء والسمعة .

ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى المسكين والمسكين لا يعرف أولى ؛ إذ في معرفة المسكين الرياء والمنة جميعا وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء ومهما كانت الشهرة مقصودة له .

حبط عمله لأن الزكاة إزالة للبخل وتضعيف لحب المال وحب الجاه أشد استيلاء على النفس من حب المال ، وكل واحد منهما مهلك في الآخرة ولكن صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقربا لادغا وصفة الرياء تنقلب في القبر أفعى من الأفاعي وهو مأمور بتضعيفهما أو قتلهما لدفع أذاهما أو تخفيف أذاهما فمهما قصد الرياء والسمعة فكأنه جعل بعض أطراف العقرب مقويا للحية فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوة الحية ، ولو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه .

وقوة هذه الصفات التي بها قوتها العمل بمقتضاها وضعف ، هذه الصفات بمجاهدتها ومخالفتها والعمل بخلاف مقتضاها ، فأي فائدة في أن يخالف دواعي البخل ويجيب دواعي الرياء فيضعف الأدنى ويقوي الأقوى وستأتي أسرار هذه المعاني في ربع المهلكات .

التالي السابق


(فالمتحدث بصدقته يطلب الرياء والسمعة، والمعطي) للصدقة (في ملأ من الناس يبغي) أي: يطلب (الرياء والإخفاء) بها (والسكوت) عنها (هو المخلص من ذلك، و) بهذا الاعتبار (قد بالغ في قصد الإخفاء جماعة) من أهل الورع (حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي) وقال صاحب القوت: وقد تستعمل العرب المبالغة في الشيء على ضرب المثل والتعجب، وإن كان فيه مجاوزة الحد من ذلك أن الله تعالى وصف قوما بالبخل، فبالغ في وصفهم، فقال: أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا والنقير لا يريده أحد ولا يطلبه ولا يعطاه؛ لأنه هو النقطة التي تكون على ظهر النواة منه منبت النخلة، وفيه معنى أشد من هذا وأغمض أنه لما قال: فأخفى عن شماله، كان بهذا القول حقيقة في الخفاء، فهو أن لا يحدث نفسه بذلك ولا يخطر على قلبه، وليس يكون هذا إلا أن لا يرى نفسه في العطاء أصلا، ولا يجري وهم ذلك على قلبه، كما تقول في سر الملكوت: إن الله لا يطلع عليه إلا من لا يحدث به ويخفيه، ليس أعني عن غيره لكن يخفيه عن نفسه ولا يحدثها به، بمعنى أنه لا يخطر على قلبه ولا يذكره ولا يشهد نفسه فيه شغلا عنه بما اقتطع به، وبأنه لا يباليه، فعندها صلح أن يظهر عن السر، فإن لم يمكنك على الحقيقة أن تخفي صدقتك عن نفسك فاخف نفسك فيها حتى لا يعلم المعطي أنك أنت المعطي، هذا حال الصادق اهـ .

وقد تقدم ما يقرب من هذا التقرير من كلام ابن المنير قريبا، (فكان بعضهم) أي: من المخلصين (يلقيه) ، وفي نسخة يلقي صدقته (في يد أعمى) أي: ولا يخبره عن نفسه، (وبعضهم يلقيه في طريق الفقير) حيث يمر عليه (و) بين يديه في (موضع جلوسه حيث يراه) فيأخذه (و) هو (لا يرى المعطي) ولا يعلمه .

قال القسطلاني: وأنبئت عن بعضهم أنه كان يطرح دراهمه في المسجد ليأخذها المحتاج. اهـ .

(وبعضهم كان يصرها في ثوب الفقير، وهو نائم) فلا يعلم من جعله، قال صاحب القوت: وقد رأيت من يفعل ذلك (وبعضهم [ ص: 116 ] كان يوصل للفقير على يد غيره؛ بحيث لا يعرف المعطي، وكان يستكتم المتوسط شأنه) ؛ أي: يطلب منه أن يكتم ذلك (ويوصيه أن لا يفشيه) أي: لا يظهر اسمه .

قال صاحب القوت: فأما من فعل هكذا فلا يحصى ذلك من المسلمين، (كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه، واحترازا من) الوقوع في (الرياء والسمعة ومهما لم يتمكن من الإعطاء إلا أن يعرف) ، وفي نسخة: ومهما لم يتمكن الإبان يعرفه شخص واحد (فتسليمها) ، وفي نسخة: فتسليمه (إلى وكيل) أي: واسطة (يسلمها إلى الفقير) ، وفي نسخة: إلى المسكين، والمسكين لا يعرف (أولى؛ إذ في معرفة المسكين) له (الرياء والمنة معا) ، وفي نسخة: جميعا (وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء) فقط، (ومهما كانت لشهرة مقصودة) في العمل (حبط العمل) ونقص الأجر؛ لأن الزكاة الشرعية إنما يراد منها (إزالة البخل) ؛ أي: لهذا الوصف عن صاحبها (وتضعيف) ؛ أي: توهين (لحب المال) الذي جبلت عليه النفس، وصار شركا للشيطان (وحب الجاه أشد استيلاء على النفس من حب المال، وكل منهما) ؛ أي: حب الجاه والمال، (مهلك في الآخرة) كما سيأتي بيانه في ربع المهلكات، (لكن صفة البخل تنقلب في القبر) في عالم المثال (عقربا لاذعا) ، وفي نسخة: لذاغا، يذكر ويؤنث، والتأنيث أكثر، (وصفة الرياء) فيه في حكم المثال (تنقلب حية) لساعة، وفي نسخة: أفعى من الأفاعي، ولما كان الرياء ضرره أشد وأعم وقع تمثيله بالحية والأفعى، والبخل بالنسبة إليه أخف ضررا؛ إذ هو منع البذل، وقع تمثيله بالعقرب (والعبد مأمور بتضعيفهما) أي: توهينهما (أو قلتهما) مهما أمكنه؛ (لدفع أذاهما) عنه (أو تخفيفه) أي: الأذى، فالعقرب يلدغ، ويمكن التحرز عنه بالبعد، والحية هجامة يعسر التخلص من شرها، (فمهما قصد الرياء والسمعة) في بذله وأراد أن يتخلص به من صفة البخل (فكأنه جعل بعض أطراف العقرب مقويا) ، وفي نسخة: قوتا، وفي نسخة أخرى: قوة (للحية فبقدر ما ضعف) أي: أوهن (من العقرب زاد قوة في الحية، ولو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه، وقوة هذه الصفات التي بها قوتها العمل بمقتضاها، وضعف هذه الصفات بمجاهدتها ومخالفتها) ، والتنصل عنها (والعمل بخلاف مقتضاها، فأي فائدة) وأي ثمرة (في أن تخالف داعي البخل) ببذلك ما في يدك حتى لا تسمى بخيلا، (و) مع ذلك (تجيب داعي الرياء) والسمعة (فتضعف الأدنى) الذي هو صفة البخل، (وتقوي الأقوى) الذي هو صفة الرياء والسمعة، (وستأتي أسرار هذه المعاني) الدقيقة الغامضة (في ربع المهلكات) إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث