الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفيه بدنة أو بقرة ، أو سبع شياه وإن كان بعد التحلل الأول لزمه البدنة ، ولم يفسد حجه .

التالي السابق


ثم أشار المصنف إلى كفارة الجماع ، فقال : (وفيه بدنة) ، أي : ذبحها (أو) ذبح (بقرة ، أو) ذبح (سبع شياه) واعلم أن في خصال فدية الجماع وجهين أصحهما أنها هذه الثلاثة المذكورة ، والإطعام بقدر قيمة البدنة على سبيل التعديل ، والصيام عن كل مد يوما . والثاني حكاه ابن كج أن خصالها الثلاث الأول ، فإن عجز عنها ، فالهدي في ذمته إلى أن يجد تخريجا من أحد القولين في دم الإحصار ، وإن جرينا على الصحيح ، وهو إثبات الخصال الخمس ، فهذا الدم دم تعديل لا محالة لأنا في الجملة نقوم البدنة ، وهل هو تخيير ، أو ترتيب فيه قولان ، ومنهم من يقول وجهان : أصحهما دم ترتيب ، فعليه بدنة إن وجدها وإلا فبقرة ، وإلا فسبع من الغنم ، وإلا قوم البدنة بدراهم ، والدراهم طعاما ثم فيه وجهان ؛ أحدهما : أنه يصوم عن كل مد يوما فإن عجز عن الصيام أطعم كما في كفارة الظهار ، والقتل ، وأصحهما أن الترتيب على العكس ، ويتقدم الطعام على الصيام في هذا المقام خاصة . وذكر القفال وآخرون أن القول في أن دم الجماع دم ترتيب ، أو تخيير مبني على أن الجماع استهلاك ، أو استمتاع إن جعلناه استهلاكا فهو على التخيير كفدية الحلق ، والقلم ، وإن جعلناه استمتاعا ، فهو على الترتيب كفدية الطيب ، واللباس .

(وإن كان بعد التحلل الأول لزمته البدنة ، ولم يفسد حجه) ، والعمرة كالحج في وجوب الفدية ، وعن أبي إسحاق نقلا عن بعض الأصحاب أنه لا يجب في إفسادها إلا شاة ؛ لانخفاض رتبتها عن رتبة الحج ، وقال أبو حنيفة : القارن إذا جامع بعد الوقوف كان عليه بدنة للحج ، وشاة للعمرة ، وبعد الحلق قبل الطواف شاتان ، وهنا مسألتان ؛ الأولى : لو جامع بين التحللين ، وفرعنا على الصحيح ، وهو أنه لا يفسد ففيما يجب ؟ فيه قولان أظهرهما شاة ؛ لأنه لا يتعلق فساد الحج به ، فأشبه المباشرة فيما دون الفرج ، واختار المزني هذا القول في تخريجه للشافعي ، وقيل : إنه حكاه في غير المختصر عن نصه ، والثاني : إن الواجب بدنة ؛ لأنه وطء محظور في الحج ، فأشبه الوطء قبل التحلل ، وبهذا قال مالك ، وأحمد ، ونقل الإمام قولا ثالثا ، وهو أنه لا يجب فيه شيء أصلا ، وهو ضعيف ؛ لأن الوطء لا يقصر عن سائر محظورات الإحرام ، وهي بين التحللين موجبة للفدية على ظاهر المذهب .

الثانية : إذا فسد الحج بالجماع ثم جامع ثانيا ، فينظر إن لم يفد عن الأول في وجوب شيء للثاني قولان ؛ أحدهما : لا يجب ، بل يتداخلان ، وأصحهما أنه لا يتداخل لبقاء الإحرام ووجوب الفدية بارتكاب المحظورات ، وحيث قلنا بعدم التداخل ففيما يجب بالجماع الثاني قولان ؛ أحدهما بدنة كما في الجماع الأول ، وأظهرهما شاة .

وإذا اختصرت هذه الاختلافات قلت : في المسألة ثلاثة أقوال أظهرها أن الجماع الثاني يوجب شاة ، وبه قال أبو حنيفة .

والثاني : لا يوجب شيئا ، وبه قال مالك ، وعند أحمد إن كفر عن الأول وجبت في الثاني بدنة ، والله أعلم .



(فصل)

وفي كتاب الشريعة للشيخ الأكبر قدس سره أجمع المسلمون على أن الوطء يحرم على المحرم مطلقا ، وبه أقول غير أنه إذا وقع فعندنا فيه نظر في زمان وقوعه ، فإن وقع منه بعد انقضاء زمان جواز الوقوف [ ص: 321 ] بعرفة من ليل ، أو نهار ، فالحج فاسد ، وليس بباطل ؛ لأنه مأمور بإتمام المناسك مع الفساد ، ويحج بعد ذلك ، وإن جامع قبل الوقوف بعرفة ، وبعد الإحرام ، فالحكم فيه عند جميع العلماء كحكمه بعد الوقوف يفسد ، ولا بد من غير خلاف ، ولا أعرف لهم دليلا على ذلك ، ونحن وإن قلنا بقولهم ، واتبعناهم في ذلك ، فإن النظر يقتضي إن وقع قبل الوقوف أن يرفض ما مضى ، ويجدد ، ويهدي ، وإن كان بعد الوقوف فلا ؛ لأنه لم يبق زمان للوقوف ، وهنا بقي زمان للإحرام ، لكن ما قال به أحد ، فجرينا على ما أجمع عليه العلماء مع أني لا أقدر عن صرف هذا الحكم عن خاطري ، ولا أعمل عليه ، ولا أفتي به ، ولا أجد دليلا ، وقد رفضت العمرة عائشة رضي الله عنها حين حاضت بعد التلبس ، وأحرمت بالحج ، فقد رفضت إحراما وفي أمر عائشة وشأنها عندي نظر أيضا هل أردفت على عمرتها ، أو هل زالت عنها بالكلية ، فإن أراد بالرفض الخروج عن الإحرام بالعمرة ، وإن وجود الحيض أثر في صحتها مع بقاء زمان الإحرام ، فالجماع مثله في الحكم ، وإن لم يرد بالرفض الخروج عن العمرة ، وإنما أراد إدخال الحج عليها فرفض أحدية العمرة لا اقترانها بالحج ، فهي على إحرامها بالعمرة ، والحج مردف عليها .

الاعتبار لا شك أن الإنسان لما كان مصرفا تحت حكم الأسماء الإلهية ، ومحلا لظهور آثار سلطانها ، ولكن يكون حكمها فيه بحسب ما يمكنها حال الإنسان ، أو زمانه ، أو مكانه ، فالأحوال ، والأزمان تولى الأسماء الإلهية عليها ، وإن كان كل حال هي عليه ، أو دخول الإنسان في ظرفية زمان خاص ، أو ظرفية مكان ما هو إلا عن حكم إلهي بذلك ، فقد يتوجه على الإنسان أحكام أسماء إلهية كثيرة في آن واحد ويقبل ذلك كله بحاله ؛ لأنه قد يكون في أحوال مختلفة يطلب كل حال حكم اسم خاص ، فلا يتوجه عليه إلا ذلك الاسم الذي يطلبه ذلك الحال الخاص ، ومع هذا كله ، فلا بد أن يكون الحاكم الأكبر اسما ما له المضاء فيه ، والرجوع إليه مع هذه المشاركة ، فلهذا أمر المحرم إذا جامع أهله أن يمضي في تمام نسكه إلى أن يفرغ مع فساده ، ولا يعتد به ، وعليه القضاء من قابل على صورة مخصوصة شرعها له الشارع ؛ لأن صاحب الوقت الذي هو المحرم عليه أفعال مخصوصة أوجبتها هذه العبادة التي التبس بها هو الحاكم الأكبر ، واتفق أن هذا المحرم التفت بالاسم الخاذل إلى امرأته ، فجامعها في حال إحرامه ، فلما لم يكن الوقت له ، وكان لغيره لم يقو قوته ، فأفسد منه ما أفسد ، وبقي الحكم لصاحب الوقت ، فأمره أن يمضي في نسكه مع فساده ، وعاقبه بتلك الالتفاتة إلى الخاذل حيث أعانه عليه بنظره إلى امرأته ، واستحسانه لإيقاع ما حكم عليه به حاكم الوقت أن يعيد من قابل ، فلو بطل وأزال حكمه عنه في ذلك الوقت ووقع الجماع بعد الإحرام ، وقبل الوقوف رفض ما كان ، واستقبل الحج كما هو ، ولم يكن عليه إلا دم لا غير لما أبطل ، فلما لم يزل حكمه منه بذلك الفعل أمرنا بتمام نسكه الذي نواه في عقده ، وهو مأجور فيما فعل من تلك العبادة مأزور فيما أفسد منها بإتيانه ما حرم عليه إتيانه كما قال تعالى : فلا رفث ، وهو النكاح ، ولا فسوق ولا جدال في الحج .

خرج أبو داود في المراسيل قال : حدثنا أبو توبة ، حدثنا معاوية ، يعني ابن سلام ، أخبرني يزيد بن نعيم 7شك أبو توبة أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان ، فسأل الرجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لهما : اقضيا نسككما واهديا هديا ثم ارجعا إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا ولا يرى أحد منكما صاحبه ، فأحرما وأتما نسككما وأهديا . فهذا ترجمان الحق الذي هو الرسول قوى الاسم الإلهي الذي هو حاكم الوقت وصاحب الزمان فيما يريده من إتمام هذه العبادة مع ما طرأ فيها من الإخلال ، وما وقع من المجامع هي زلة أوجبت علما فشفع ذلك العلم في صاحب هذه الزلة فجبر له نقصه ، فلولا زلة هذا المجامع في الحج ما عرفنا حكم الشرع فيه لو وقع هذا بعد موت المترجم فمن رحمة الله حصل تقدير هذا العلم لنكون على بصيرة من ربنا في عبادتنا ، والله أعلم .




الخدمات العلمية