الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومنها التدريج في البيان كقوله عز وجل شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إذ لم يظهر به أنه ليل أو نهار وبان بقوله عز وجل إنا أنزلناه في ليلة مباركة ولم يظهر به أي ليلة فظهر بقوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر وربما يظن في الظاهر الاختلاف بين هذه الآيات فهذا وأمثاله مما لا يغني فيه إلا النقل والسماع فالقرآن من أوله إلى آخره غير خال عن هذا الجنس ; لأنه أنزل بلغة العرب فكان مشتملا على أصناف كلامهم من إيجاز وتطويل وإضمار وحذف وإبدال وتقديم وتأخير ليكون ذلك مفحما لهم ومعجزا في حقهم فكل من اكتفى بفهم ظاهر العربية وبادر إلى تفسير القرآن ولم يستظهر بالسماع والنقل في هذه الأمور فهو داخل فيمن فسر القرآن برأيه مثل أن يفهم من الأمة المعنى الأشهر منه فيميل طبعه ورأيه إليه فإذا سمعه في موضع آخر مال برأيه إلى ما سمعه من مشهور .

معناه وترك تتبع النقل في كثير معانيه فهذا ما يمكن أن يكون منهيا عنه دون التفهم لأسرار المعاني كما سبق فإذا حصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ظاهر التفسير ، وهو ترجمة الألفاظ ولا يكفي ذلك في فهم حقائق المعاني

التالي السابق


(ومنها التدريج في البيان ) بالثاني والثالث للخطاب المجمل، (كقوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إذ لم يظهر منه) إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان، وهذا هو البيان الأول ولم يفهم (أنه ليل أو نهار) ، أي نهارا أنزل فيه، أو ليلا (فبان قوله إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) أنه أنزل ليلا، وهذا هو البيان الثاني (ولم يظهر) منه إلا أنه أنزل في ليلة مباركة، ولم يدر (أي ليلة هي فظهر بقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وهذا هو البيان الثالث وهو غاية البيان، (وربما يظن في الظاهر الاختلاف بين هذه الآيات) ، وليس كذلك .

وبمعناه قوله عز وجل ولما بلغ أشده واستوى آتيناه، فهذا البيان الأول زيادة على الأشد فغير مفسر، ثم قال في البيان الثاني: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ففسر الأشد بالأربعين إذا كانت للمدح، والوصف في أحد الوجهين (فهذا وأمثاله) في القرآن كثير، وإنما وقع التنبيه بالقليل على الكثير ليستدل بما ذكر على نحوه، ويتطرق به إلى غيره، (ولا يغني فيه إلا النقل والسماع) ، والتلقي من أفواه من له أهلية تامة فيه، (والقرآن من أوله إلى آخره غير خال هذا الجنس; لأنه أنزل بلغة العرب) الذين هم أفضل الخليقة الإنسانية، ولغتهم أشرف اللغات، (فكان مشتملا على أصناف كلامهم) ، ومعاني استعمالهم ووجوه استحسانهم (من إيجاز) لفظ، (وتطويل) البيان، (وإضمار) لنكتة، (وحذف) لفائدة، (وإبدال) لرعاية، (وتقديم) لشرف، (وتأخير) لتحسين، وكله فصيح بليغ; لأن وصف البلاغة عندهم رد الكثير المنشور إلى القليل المجمل، وبسط القليل المجمل إلى المثبوت المفسر، (ليكون ذلك مفحما) أي مسكتا (لهم) عند التحدي، (ومعجزا في حقهم) وحجة عليهم من حيث يعقلون; لأنه أمرهم فيه بما يعلمون، وما يستحسنون، حكمة منه، ولطفا (فكل من اكتفى) فيه (بفهم ظاهر العربية) من معرفة التجويد والإعراب، ولم يترشح بالأدوات، والآلات التي تقدم ذكرها، (وبادر إلى تفسير القرآن ولم يستظهر) مع ذلك (بالسماع) من أهله، (والنقل) الصحيح من الطرق المقبولة (في هذه الأمور) التي ذكرت (فهو داخل فيمن فسر القرآن برأيه) .

ومثل هذا ولو أصاب فقد أخطأ، (مثل أن يفهم من لفظ الأمة المعنى الأشهر منه) ، وهو اتباع الأنبياء عليهم السلام، (فيميل طبعه ورأيه [ ص: 552 ] إليه) فيفسره به (فإذا سمعه في موضع آخر مال رأيه إلى ما سمعه من مشهور معناه) الذي جبل عليه ذهنه، (وترك تتبع النقل في كثير معانيه) بحسب مواقع الاستعمال، (فهذا يمكن أن يكون منهيا عنه) ، مرادا به في حديث النهي (دون الفهم لأسرار المعاني كما سبق) بيانه، (فإذا حصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ظاهر التفسير، وهو) كناية عن (ترجمة الألفاظ) ، وتأدية المعنى الصحيح الحاصل من قوالب الألفاظ مع مراعاة القواعد، (ولا يكفي ذلك في فهم حقائق المعاني) ، بل الفهم فيها للخصوص يشهدون فيها بقدر ما قسم لهم من العقل عنها فهم متفاوتون في الأشهاد، والفهوم حسب تفاوتهم في الأنصبة من العقول والعلوم إذ القرآن عموم وخصوص، ومحكم ومتشابه، وظاهر وباطن، فعمومه لعموم الخلق، وخصوصه لخصوصهم، وظاهره لأهل الظاهر، وباطنه لأهل الباطن، والله واسع عليم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه .




الخدمات العلمية