الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وليس الاستعظام هو المن والأذى فإنه لو صرف ماله إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن فيه الاستعظام ولا يمكن فيه المن والأذى بل العجب والاستعظام يجري في جميع العبادات ودواؤه علم وعمل .

أما ، العلم فهو أن يعلم أن العشر أو ربع العشر قليل من كثير وأنه قد قنع لنفسه بأخس درجات البذل كما ذكرنا في فهم الوجوب فهو جدير بأن يستحيي منه فكيف يستعظمه ؟ وإن ارتقى إلى الدرجة العليا ، فبذل كل ماله أو أكثره فليتأمل أنه من أين له المال وإلى ماذا يصرفه فالمال لله عز وجل وله المنة عليه إذ أعطاه ووفقه لبذله فلم يستعظم في حق الله تعالى ما هو عين حق الله سبحانه وإن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه .

وأما العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخله بإمساك بقية ماله عن الله عز وجل فتكون هيئته الانكسار والحياء كهيئة من يطالب برد وديعة فيمسك بعضها ويرد البعض لأن المال كله لله عز وجل وبذل جميعه هو الأحب عند الله سبحانه وإنما لم يأمر به عبده لأنه يشق عليه بسبب بخله كما قال الله عز وجل فيحفكم : تبخلوا .

التالي السابق


فتأمل ذلك فإنه يميز لك مشارب العارفين وأذواقهم في الاستعظام والاستحقار باختلاف الاعتبارات، والكل صحيح. ثم قال المصنف بناء على مشربه الذي عول عليه: (وليس الاستعظام هو المن والأذى) كما يظهر في أول وهلة (فإنه) لو قدرناه (لو صرف ماله إلى عمارة مسجد) يصلي فيه (أو) عمارة (رباط) يسكنه المرابطون (أمكن فيه الاستعظام) ، ولا يتصور فيه المن والأذى (بل العجب والاستعظام يجري في جميع العبادات) ، وهو واد مهلك، (ودواؤه) المعجون المركب من (علم وعمل، أما العلم فهو أن يعلم) ويتحقق (أن العشر) من ماله (أو ربع العشر قليل من كثير) ، وهذا ظاهر لكل متأمل، (وأنه قد فتح لنفسه بأخس درجات البذل) وأنقصه (كما ذكرناه في فهم الوجوب) قريبا (فهو جدير) حقيق (بأن يستحيا منه) ، وفي نسخة من ذلك: (فكيف يستعظمه؟) أي: يعده عظيما أو (وإن ارتقى) في البذل (إلى الدرجة) الوسطى أو (العليا، فبذل كل ماله) وهي الدرجة العليا، فإن خرج عنه لله ولم يبق له شيئا إلا وجه الله (أو أكثره) بأن بذل ثلثيه أو نصفه وثلثه، وهي الدرجة الوسطى، (فليتأمل) في نفسه (من أين) حصل (له) هذا (المال) ، ويذكر مبدأ إنشائه من نطفة من ماء مهين، وقد خرج من بطن أمه ولا شيء معه (و) يتأمل أيضا (إلى ماذا يصرفه) وإلى من يصرفه، (فالمال لله) عز وجل أي: ملك له وجوده لكونه وجد عنه (وله المنة عليه إذ أعطاه) ملك استحقاق لمن يستحقه، ومن هو حق له (ووفقه لبذله) لمن هو أمانة بيده، (فلم يستعظم في حق الله ما هو غير حق الله) وملك وجوده (وإن كان مقامه يقتضي) في ترقيه (أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب) والقرب من رب الأرباب (فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه) مرات لما تقدم أن الصدقة تقع بيد الرحمن فيربيها له حتى تكون مثل جبل أحد. هذا هو الدواء العلمي، (وأما العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل) أي: المستحي (من بخله بإمساك بقية ماله عن الله عز وجل) ، فإن الذي يعطيه في سبيله إنما هو قل من كثر، (فتكون هيئته) عند العطاء (الانكسار والحياء) والذل (كهيئة من يطالب برد وديعة) عنده أودعها شخص (فيمسك بعضها ويرد البعض) فيستقبحه، فهذا المال عنده وديعة كما قال القائل: [ ص: 126 ]

وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوما أن ترد الودائع

(لأن المال كله لله عز وجل) والعبد مستخلف فيه، ويده يد أمانة، وما هو ملك له شرعا؛ لأنه لا يستحقه في نفس الأمر، وهو تارك له، وهو غير محمود، (وبذل جميعه) صدقة لله (هو الأحب عند الله) ؛ ليتفرغ قلبه عن الميل إلى سوى الله، وهذا إن لم يكن من أهل الكشف بأن ما في يده لشخص معين (إنما يأمر به) أي: ببذله كله (عبده) بلسان الشرع (لأنه يشق عليه بسبب بخله) ومقتضى جبلته (كما قال تعالى: إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ) والإحفاء الاستقصاء كما تقدم، وهذه الصفة الجبلية التي هي الشح والبخل إذا حكمت على العبد استبدله الله بغيره، نسأل الله العافية. وهكذا ورد: وإن تتولوا عما سألتموه من إعطاء ما بأيديكم من المال وبخلتم به يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم أي: على صفتكم، بل يعطون ما سألوه .




الخدمات العلمية