الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

( حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث ) بالتصغير ( وقتيبة بن سعيد وغير واحد قالوا : حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس بن مالك قال : آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كشف الستارة ) بكسر أولها أي : رفعها ( يوم الاثنين ) منصوب على الظرفية فخبر الآخر ما يستفاد من قوله ( كشف الستارة ) فهو ساد مسد الخبر فكأنه قال " آخر نظرة نظرتها إلى وجهه حين كشف الستارة يوم الاثنين " على ما ذكره الحنفي ، وقيل : إنه مرفوع على أنه خبر لـ " آخر " باعتبار تقدير زمان في أول الآخر ووجهه هو الظاهر ، وإن قال ميرك : إنه محل تأمل تأمل ، ولا تكسل ، وتوضيحه أن الضمير في ( نظرتها ) للنظرة فهو مفعول مطلق كما قالوا في قولهم : عبد الله أظنه منطلق برفع ( منطلق ) ؛ لأن الضمير المنصوب مفعول مطلق لا مفعول به فإنه راجع إلى الظن كما ذكره الحنفي ، وقوله كشف بصيغة الماضي المعلوم حال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قاله ميرك بتقدير " قد " كما قال بعضهم أو بدونها كما جوزه آخرون فاندفع بهذا التقدير وما يتعلق به من التحرير ما قاله ابن حجر من أن قوله كشف وقع لفظا خبرا عن " آخر " من غير رابط بينهما فوجب تأويله بما يصححه كأن يقال : أريد بكشفها زمن كشفها ، وعجب من قول بعضهم أنه حال ولم يتعرض لما أشرت إليه من الإشكال ، ولا لخبر المبتدأ أصلا انتهى ، ووجه الدفع لا يخفى ، ثم قال : والقياس نصب " آخر " بـ ( نظرتها ) ، ونظيره إنا كل شيء خلقناه بقدر قلت : وفي تنظيره نظر ظاهر إذ ضمير ( نظرتها ) ليس راجعا إلى المفعول به الذي هو المضاف إلى المفعول المطلق الذي هو المضاف إليه بخلاف ما في الآية كما هو معلوم عند أرباب الدراية مع أن الأصول المصححة في الرواية مطبقة على رفع لفظ الآخر فتعين رفع الآخر كما هو الظاهر ، وأما زعم أن ( نظرتها ) خبر آخر فهو إنما صدر ممن ليس له إلمام بشيء من النحو ( فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف ) هو بضم الميم ، وفي نسخة بكسرها ، وفي القاموس المصحف مثلثة الميم من أصحف بالضم أي : جعلت فيه الصحف ، وقال صاحب الصحاح : الصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف وقد استثقلت العرب الضمة في حروف فكسروا ميمها ، من ذلك : مصحف ومخدع ومطرف ونحوها ، وقال النووي : المصحف فيه ثلاث لغات ضم الميم وكسرها وفتحها ، والأولان مشهوران ، كذا في التبيان قال ابن حجر : والأشهر ضمها قال النووي : وكسرها ، وقال غيره بل الكسر شاذ كالفتح ذكره ابن حجر ، ولا يخفى أن النووي لم يقل بأن كسرها الأشهر بل قال إنه مشهور ، وهو مطابق لما في الصحاح مسطور .

ثم وجه الشبه هو حسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته وبهاء النظر وأغرب الحنفي في قوله : الوجه هو الإهداء والهداية ، ولا يظهر أن يكون أمرا متعلقا بظاهر الصورة انتهى ، ووجه غرابته لا يخفى ( والناس خلف أبي بكر ) أي : في الصلاة وأرادوا أن يقطعوا [ ص: 256 ] الصلاة من كمال الفرح بطلعته المشعر بعافيته وأرادوا أن يعطوه الطريق إلى المحراب ( فأشار إلى الناس أن اثبتوا ) بكسر النون وضمها أي : كونوا ثابتين على ما أنتم عليه من الصلاة والقيام في الصف ( وأبو بكر يؤمهم ) أي : في صلاة الصبح بأمره - صلى الله عليه وسلم - وفيه إيماء إلى أنه كان في أثناء الصلاة وأن أبا بكر لم يشعر بالكشف إذ ثبت على حاله ومقامه ؛ لأنه كان من أرباب التمكين في الدين لم يصل إلى مرتبته أحد من أصحاب اليقين ( وألقى ) أي : أرخى ( السجف ) بفتح السين وكسرها كذا ضبط في الأصل معا واقتصر الحنفي على الكسر ففي القاموس : السجف ويكسر الستر زاد في النهاية ، وقيل إذا كان مشقوق الوسط ( وتوفي من آخر ذلك اليوم ) وفي نسخة صحيحة في آخر ذلك اليوم أي : يوم الاثنين ، وهذا ينافي جزم أهل السير بأنه مات حين اشتد الضحى كما سبق عن جامع الأصول بل وحكي عليه الاتفاق لكن قال العسقلاني : ويجمع بينهما بأن إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار ، وذلك عند الزوال واشتداد الضحى يقع قبل الزوال ويستمر فيه حتى يتحقق زوال الشمس ، وقد جزم موسى بن عقبة عن ابن شهاب بأنه - صلى الله عليه وسلم - مات حين زاغت الشمس وكذا لأبي الأسود عن عروة ، وهذا يؤيد الجمع الذي أشرت إليه ، قلت : وأيضا فيه إشعار إلى أن تحقق الزوال إنما يكون بعد ثبوت الكمال كما في آية اليوم أكملت لكم دينكم إشارة إليه ودلالة عليه قال ميرك : ويمكن أن تجمع بينهما بأن يحمل قوله فتوفي من آخر ذلك اليوم على تحقق وفاته عند الناس ، والله أعلم ، وقال الحنفي : يجمع بأن ما وقع في الجامع باعتبار ابتداء سكرات الموت وما ذكره المص باعتبار انقطاع الحياة بالكلية ، قلت : هذا باطل قطعا لعدم ثبوت طول نزعه بل صح وجود شعوره إلى النفس الأخير إلى أن قال : اللهم الرفيق الأعلى ، هذا وقد روى البخاري هذا الحديث أيضا عن أنس لكن بلفظ أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم لم يفجأهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل بالصف وظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخرج إلى الصلاة قال أنس وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر ، وفي رواية له فتوفي في يومه ، وفي أخرى له ولمسلم عن أنس أيضا لم يخرج إلينا ثلاثا فذهب أبو بكر يتقدم فرفع - صلى الله عليه وسلم - الحجاب فلما وضح لنا وجهه ما نظرنا منظرا قط كان أعجب إلينا منه حين وضح فأومى إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى الحجاب . . . الحديث ، ولفظ مسلم عن أنس أيضا أن أبا بكر كان يصلي بهم [ ص: 257 ] حتى إذا كانوا يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف - صلى الله عليه وسلم - ستر الحجرة فنظرنا إليه ، وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ، ثم تبسم ضاحكا . . . الحديث ، وأما ما ذكره شارح في هذا المحل ما في الصحيحين من أنه - صلى الله عليه وسلم - جاء حتى جلس يسار أبي بكر . . . الحديث ، فليس في محله إذا كانت تلك القضية قبل ذلك ، ثم في هذا المقام معارضة بين ابن حجر والعصام أعرضت عن ذكرها لعدم تعلق شيء منها بالمرام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث