الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الخامسة والعشرون ، في الكتاب : إن جحدك وديعة أو عرضا أو غيره وصار له بيدك مثله بإيداع أو بيع أو غيره لا ينبغي أن يجحده لقوله صلى الله عليه وسلم : أد [ ص: 159 ] الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك . قال صاحب المقدمات : الخيانة حرام غير أن في هذه المسألة خمسة أقوال : المنع ، والكراهية ، والإباحة ، واستحباب الأخذ ، قاله عبد الملك ، كان عليه دين أم لا ، والتفرقة : إن لم يكن أخذ وإلا فيما يجب في المحاصة فقط ، قاله مالك ، وزاد ابن نافع : إن أمن أن يحلف كاذبا فأن يقبل منه أن يحلف : ما له عندي حق على ما روى أصبغ ، وقال ابن شعبان : يحلف ما له عندي وديعة ولا غيرها ، بخلاف الحقوق الثابتة في الذمة ; لأن الوديعة لا تلزم ذمته إلا بالتفريط ، وما لا يلزم يحلف على أقل ما يبرئه منه ، وكذلك كان يأخذ الوديعة إياس بن معاوية ، زاد ابن شعبان : ولا وجب له في ذمتي حق بسبب الوديعة التي يذكرها ، مخافة أن يكون فرط فيها فوجبت في ذمته فيصدق ما له عندي وديعة ; لأن المستحق قيمتها أو مثلها وعند ( ش ) يأخذ كان عليه دين أم لا غير أنه لا يتملك غير جنس حقه ، بل يتبعه ويأخذ منه جنس حقه ، قال : وأظهر الأقاويل : إباحة الأخذ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة لما شكت إليه أن زوجها أبا سفيان لا يعطيهما من الطعام ما يكفيها وولدها : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ، فقوله بالمعروف أي لا تزد على ما تستحق وهو المراد بقوله ولا تخن من خانك ; لأن آخذ حقه ليس بخائن بل امتثل أمره صلى الله عليه وسلم لهند فلا تتعارض الأحاديث مع أن سبب الحديث السؤال عن وطء امرأة ائتمنه عليها رجل قد كان هو ائتمنه على امرأة فخانه فيها ووطئها ، فنهاه صلى الله عليه وسلم عن مقابلة الزنى بالزنى ، والاحتجاج لأصح قولي مالك بهذا الحديث ; لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وقيل : إذا جحدك ذهبا فوجدت له دراهم أو عروضا لم يكن له أخذه ولا بيعه بمثل ما كان لك ; لأنه لم يوكلك على ذلك ، قال : وبه أقول قال ابن يونس عن مالك : [ ص: 160 ] لك عليه دين بلا بينة فهلك وليس عليه غيره ، وله عليك حق مثله بلا بينة ، قال مالك : لا تجحد ما عليك وتحتسب ما لك ، وإن جحدك فلا تجحده ، وقال ابن عبد الحكم : لك جحده ولا يضرك الحلف ; لأنه كالمكره على اليمين في أخذ ماله ، وقال ابن القاسم : يحنث إلا أن يؤدي ذلك إلى ضربه وسجنه ، قال اللخمي : الصواب أن لك جحده ووديعته في حقك ، وإن كان له غرماء إذا كانوا عالمين بفلسه ، فتركوه يتصرف في البيع والشراء ، ويقضي وشكوا في حاله فتركوه ، وإن كان ظاهر اليسار أخذت ما يخصك ، وإن كانت الوديعة عرضا جاز بيعها وأخذ ثمنها فيما لك عليه ، ومنعك مالك : أن تحلف : ما أودعك ، وقيل : تحلف : ما أودعني أي : وديعة يلزمني ردها ، ينوي ذلك ، وفي الجواهر : مراد الشيخ أبي الوليد بقول التحريم رواية المدونة .

                                                                                                                قاعدة : تصرفات رسول الله صلى الله عليه وسلم تقع بالفتيا ; لأنه سيد العلماء الأعلام وبالقضاء ; لأنه حاكم الحكام الحاكم وبالأمانة ; لأنه الخليفة على الخاص والعام وتقع تصرفات يختلف العلماء من أي الأبواب الثلاثة هي حتى يشترط فيه حقنا شروط ذلك الباب كقوله من قتل قتيلا فله سلبه ، قال ( ش ) : هو تصرف بالفتيا فيعم الخلائق كالصلاة ، ولا يحتاج ذلك إلى إمام يأمن له ; لأن غالب تصرفاته عليه ; لأنه رسول ، والمسألة أصل تصرفه وهو كلام حق وقد تقدم الجواب عنه في الجهاد ، وقال مالك : هو تصرف بالإمامة وما كان بتصرف الإمامة لا يثبت إلا بتشريع الإمام له في كل حادث كالحدود والتعازير لا يتوجه ولا يثبت إلا بإمام وكقوله صلى الله عليه وسلم : من أحيا أرضا ميتة فهي له .

                                                                                                                [ ص: 161 ] قال ( ح ) : هو تصرف بالإمامة فلا يحيي أحد إلا بإذن الإمام ، وقال ( ش ) ومالك : هو بالفتيا فمن أحيى ملك ; لأن شأن الفتيا لا تفتقر إلى الإمامة ولحديث هند ، قال مالك : وهو تصرف بالقضاء فليس لأحد أن يأخذ مال غريمه المعجوز عنه إلا بإذن القاضي ، وقال ( ش ) : هو من باب الفتيا فيجوز لمن ظهر الأخذ مطلقا ، قال الخطابي : كان ذلك قضاء بعلمه فإنه كان يعلم حال أبي سفيان فقضى عليه ، وهذا التقدير فتيا ; لأنه لم يسمع من أبي سفيان جواب المدعى عليه ، والقضاء لا بد فيه من ذلك فتتعين الفتيا ، وبهذه القاعدة يحتاج لمالك رحمه الله إلى جواب عن القضاء بالعلم فاعلم ذلك .

                                                                                                                قاعدة : تتخرج عليها مسائل هذا الفصل في التنازع . المدعي : من كان قوله على خلاف أصل أو ظاهر ، والمدعى عليه : الذي يحلف ويصدق مع يمينه ، وتكون البينة على خصمه من كان قوله على وفق الأصل ، كقولك : لي عنده دينار ، فيقول : لا ، فقوله على وفق الأصل ; لأن الأصل براءة ذمته ، وقولك على خلاف الأصل فعليك البينة ، أو كان قوله على وفق الظاهر كقول الوصي : أنفقت المال ، ومثل اليتيم لا يحتاجه ، فإنه مدع عليه البينة ; لأنه على خلاف الظاهر ، وقول طالب المال على وفقه ، وكذلك قابض الوديعة ببينة الظاهر أنه إنما يرد ببينة فإذا ادعى خلافه فهو خلاف الظاهر فعليه البينة ، فليس كل طالب مدعيا يحتاج للبينة وليس كل مطلوب منه مدعى عليه يصدق مع يمينه كما تقدم ، وبعض الأصحاب يقول : المدعي أضعف المتداعيين سببا والمدعى عليه أقوى المتداعيين سببا ، ومراده ما ذكرته .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية