الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                فـرع

                                                                                                                في الكتاب : إذا شهد له أعمامه أن فلانا الميت مولى أبيه ، ولم يترك ولدا ولا موالي ، بل مالا ، جاز ؛ لارتفاع التهمة ، وإن ترك ولدا وموالي يتهمون [ ص: 276 ] بذلك على جر ولائهم يوما ما لتعددهم ، امتنع ، ولو شهد ابنا عم لابن عمهما على عتق ، وهما يتهمان لقربهما في جر الولاء ، امتنع ، وإن لم يتهما لبعدهما جاز ، وإن كان الولاء قد يرجع إليهما يوما ما ، قال في التنبيهات : إنما يراعى لو مات ابن العم الآن ورثاه ، وأما بتناسخ وطول فلا .

                                                                                                                فـرع مرتب

                                                                                                                قال صاحب البيان : إذا ردت شهادة الوارثين في العتق إما لكونهما غير جائزي الشهادة ، أو متهمين في جر الولاء فلا يلزم الشاهد ، ثلاثة أقوال : لا يعتق عليه حظه منه ، ويستحب له بيعه فيجعله في عتق ، فإن ملكه يوما ما عتق عليه ، إن حمله الثلث ، أو الشهادة في الصحة لمالك في المدونة ، ويعتق عليه حظه ، قاله عبد العزيز بن أبي سلمة ، ويقوم عليه أيضا لشركائه ; لأنه متهم في شهادته على عتق نصيبه بغير تقويم ، ومالك يرى أن العتق لا يصح تبعيضه لأن العبد يتضرر ، وكذلك الشركاء ، وواخذه عبد العزيز بإقراره في نصيبه .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                في الكتاب : تمتنع شهادة القاسم على ما قسم ، والقاضي المعزول على ما حكم به ، قال ابن يونس : قال عبد الملك : إن ثبت أن القاضي أمرهم بالقسم جازت شهادتهم ، وإن لم يكن إلا قولهم : إن القاضي أمرهم بالقسم فلا يقبل ; لأنهم يتهمون على تنفيذ فعلهم ، قال صاحب البيان : لم يصرح بأنه ها هنا يجوز قبل أن يعزل ، وهي لا تجوز وإن لم يعزل ، وإنما يجوز له التسجيل بما قضى وشهد عليه ، ويخبر بذلك على وجه الإعلام والإخبار ، لا على وجه الشهادة ; لأنه يتهم قبل العزل وبعده على تنفيذ فعل نفسه فلا يقبل وحده ، ولا مع غيره ، قال مالك : وإن أقمت شاهدا على أنه قضى لك : قال مالك : لا تحلف معه ; لأنه من باب أحكام الأبدان لا يقبل فيه إلا شاهدان ، قاله في العتبية ، وقال في المدونة [ ص: 277 ] خلافه ; لقوله في الأقضية : إذا وجد بعد العزل في ديوانه شهادة الشهود وأثبتها بحلف المطلوب بالله بأن ما في الشهادة علي ، فإن نكل حلف المشهود له ، وثبتت له الشهادة فأثبتها باليمين والنكول ، فأولى بالشاهد واليمين ، ولا فرق بين ذلك وبين الحكم ، وفي النكاح الثاني إذا اختلف الزوجان في فريضة القاضي ، صدق الزوج إذا أتى بما يشبه ، فإن لم يأت بما يشبه الكل ، صدقت المرأة بما يشبه فاسحب المرأة باليمين مع ، فظاهر المدونة : أن حكم الحاكم يثبت بالشاهد واليمين ، بخلاف الشهادة على الشهادة ، والأظهر من جهة النظر ; لأن المقصود هاهنا المال ، وهو يثبت بذلك ، والشاهد واليمين في الشهادة على الشهادة لا يثبت به المال ، ولا يجوز في كتاب القاضي الشاهد واليمين اتفاقا ; لأنه من باب الشهادة على الشهادة ، وفي النوادر : منع سحنون شهادة القاسم ، وفي الواضحة : شهادة القاسم جائزة عند القاضي الذي أمره بالقسم دون غيره إن ذكر أنه أمره بذلك .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                في البيان : قال مالك : إذا كان له دين على المشهود له جازت شهادتك إن كان المشهود له موسرا وإلا فلا ; لأنه تجر لنفسك ، قال ابن القاسم : وكذلك إذا كان له عليه حق ; لأنك ترجو بشهادتك تأخيره ، والساقط إلا أن تكون مليا فتجوز ، وهذا إذا كان الدين حالا ، أو حلوله قريبا ، أما بعيدا فتجوز كالولي ، وتجوز شهادته له فيما عدا الأموال ، لا ينتفع بشهادته وفي دينه بغير الأموال ، وأما إذا كان الدين على الشاهد فالشهود له : فقد أجازها أشهب ، كان مليا أو معدما ، ومنعه ابن القاسم كما تقدم ، كان المشهود به مالا أم لا ، وفي شهادتك لمن لك معه أو له معك قراض ، ثلاثة أقوال : تجوز شهادة كليكما للآخر ، وهو [ ص: 278 ] ظاهر قول ابن القاسم ، وقال أشهب كذلك إن كان العامل مليا بالمال ، وإن كان معدما امتنعت ، قال سحنون : لا يجوز كل واحد منهما للآخر قبل تحريك المال في شراء السلع ، وإن غره شغله جاز لتهمة النزع من يد العامل للمال بخلاف بعد الشغل .

                                                                                                                قاعـــدة : يقع التعارض بين الأصلين كالقاطع لرجل بنصفين يدعي أولياؤه الحياة قبل الجناية وهو الأصل ، ويدعي الجاني الموت ، والأصل : براءة ذمته ، والدليلان كالاثنين والخبرين المتعارضين ، والظاهرين كالبينتين ، فإن ظاهر كل واحدة الصدق ، والتزين للزوجين على متاع البيت ظاهرين الملك ، والأصل والظاهر ، الأصل : الطهارة ، وظاهر حالها النجاسة . ويختلف العلماء ، في أي ذلك يقدم ونظائره كثيرة ، وقد تقدم بسطه في مقدمة الكتاب ، وهذه الفروع تعارض فيها ظاهران : ظاهر عدالة العدل : الصدق ، وظاهر كونه مديونا للمشهود له أو غير ذلك : التهمة ، وعدم الديون بالصدق ، فيختلف العلماء أي الظاهرين يقدم ، فهذه القاعدة تخرج عليها فروع كثيرة في الشريعة ، فتأملها في مواطنها ، وعليها تخرج مسائل موانع الشهادة في جميع هذا الباب .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                في البيان : قال مالك : إذا شهدت عليه بطلاق امرأته : ليدفعن حقك إليك ، وإنه حنث ترد شهادته لتعلقها بحقك ، قال صاحب البيان : والظاهر : جوازها ; لأن التطليق عليه لا يدعوه إلى تعجيل حقك ، إنما يدعوه اليمين ، لكنك لو شهدت عليه فذلك قبل الحنث ردت شهادتك فردت بعد الحنث لاحتمال أن يكون ذلك وقع وأردت تحقيق دعواك ثابتا وهو ضعيف ، قال : قال ابن القاسم : إذا قضى القاضي بشهادتهما وعزل ، جازت شهادتهما : أن [ ص: 279 ] القاضي قضى بكذا لضعف التهمة ، وروى عنه سحنون : لا يجوز على الحكم لاتهامهما أنه قبل شهادتهما وحكم بها [ . . . ] ذلك لأنفسهما . ويجوز على الشهادة يحكم القاضي بشهادتهما ; لأن الإشهاد على الحكم غير الحكم ، ولم يجزها عبد الملك مطلقا .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال : قال ابن القاسم : بينكما عبد ، شهد كل واحد منكما على صاحبه أنه أعتق ، ترد ; لاتهامكما في التقويم ، ولا يمين عليكما ; لأن كل شهادة ردت لعدم العدالة أو التهمة ، لا يمين على المشهود عليه ; لأنها كالعدم ، والعتق لا يحكم فيه ابتداءا ، وتقبل شهادتكما اتفاقا إذا لم يكن لكما غير العبد لعدم التقويم ، فلا تهمة ، فإن كمل نصاب الشهادة عتق على كل واحد نصيبه وإلا حلف ، ومن ردت شهادته هل يعتق نصيبه لأنه مقر على نفسه ؟ قولان لابن القاسم ، والعتق في المدونة ، وله قولان في لزوم اليمين إذا ردت الشهادة ; لأن ذلك أقوى من الخلطة .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال : قال ابن القاسم : إذا كان لك مكتوب بحق شاهداه أخواك فحضرك الموت ، ولا يرثك غيرهما وابنتك ، فسألتهما أن يهبا الحق للبنت أو أحدهما حتى تصح شهادته فيه فيتصدق أحدهما على أخيه بنصيبه ، ثم مات ; لا تجوز شهادته فيما وهب من مالك في مرضك ; لأنه ثبتت له بالمرض فهو يشهد على تنفيذ هبته ، وأجازها أصبغ ; لأن الذي ثبت للوارث في المرض إنما هو الحجر دون الإرث ، وهذه الهبة نافذة على جادة المذهب .

                                                                                                                [ ص: 280 ] فـرع

                                                                                                                قال ابن القاسم : إذا استحقت قرية بالعدول ، وأدخل إلى تحديدها قرية إلى جانبها فشهد أهلها أن القريتين لغائب ، ردت شهادتهم لانتفاعهم بإنقاذ قريتهم من يده .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال في الموازية : إذا أرسلتهما يزوجانك ، أو يشتريان لك جارية ، ترد شهادتهما في ذلك ; لأنه صنيعهما ، وضعفه أصبغ ، وقال محمد : إن عقد النكاح ردت ، وإن شهدا على العاقد جازت .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال ابن القاسم : لا تقبل شهادة الرسولين على القابض بالقبض ; لأنهما يدفعان عنهما معرة التهمة ، وتقبل في أن المال وديعة لا سلف إذا نازعك المرسل إليه ; لأنه أمر خارج عنهما ، وفي أن ما تحت يده رهن لزيد ، ولا يعلم الدين والرهن إلا من قوله ، فيقبل قول الأمين في ذلك مع يمين الطالب إن شهد قبل بيع الرهن ، ويمتنع بعده ; لأنه يدفع الضمان عن نفسه .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال أصبغ : تمتنع شهادته : هذه الدابة لأبي مات وأوصى بها لزيد ، وهي تخرج من الثلث ; لأنه قد يلحق أباه دين فيجر ذلك نفعا .

                                                                                                                فـرع

                                                                                                                قال : إذا حبست على أهل الحاجة من قرابتك حبسا ، فشهد فيه أهل العلم منهم والحبس يسير ، ولا ينفع هؤلاء ، إن احتاجوا جازت شهادتهم وإلا ردت .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية